الصفحة الرئيسية / ملفات خاصة / نُدرة المياه والصراعات في الشرق الأوسط: قصة خوزستان

نُدرة المياه والصراعات في الشرق الأوسط: قصة خوزستان

Khuzestan

الصورة 1: ندرة المياه في خوزستان تنتج في العواصف الترابية (المصدر: دانيال خوداي).

الكاتب: Ludo Hekman

هذا مقال مترجم، المصدر: trouw.nl

إن ندرة وشح المياه تزيد من تأجيج الصراع في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، في خوزستان، في جنوب غرب إيران، قد جفت المياه حرفيّا من المقاطعة. وأحد أهم الأسباب الرئيسية لذلك هو بناء السدود في كل من إيران نفسها وفي تركيا.

إنّ خوزستان مقاطعة غنيّة بالنفط على الحدود مع العراق. ويستخرج منها نحو 85 % من جميع النفط الإيراني، وهو شريان الحياة لاقتصاد البلد. ومع ذلك، فقد تحولّت مناطق واسعة من المقاطعة من الأراضي الرّطبة إلى الأراضي القاحلة في غضون سنوات.

والسّبب الرئيسيّ لهذا التّحول يمكن العثورعليه في إيران نفسها. وعلى الرغم من أن تغيّر المناخ وبناء السّدود في تركيا يلعبان دوراً، فإنّ إيران ذاتها هي المسؤولة إلى حدٍ كبير عن الجفاف. حيث أدى بناء السد على نهر قارون، وهو أحد أهم موارد المياه في خوزستان، إلى خفض إمدادات المياه بمقدار الثلثين.

ويظهر انحدار النهر على الفور في أهواز، عاصمة المقاطعة، والتي تمتد على ضفتيّ النهر. بين القصب على حافة المياه تجد أكوام من الملابس وقطع من الورق المقوى التي تتراكم متضاعفةً كالفرش. و تنتشر الملابس على الصخور لتجف. ويُنظَر إلى الغُرباء بشُبهة وأحياناً يُستقبلون بصيحاتٍ معادية. هذا هو المكان الذي يعيش الخفافيش، في الأكواخ التي تقع في مكان ما بين سقيفة حديقة وعش الطيور.

الصياد سابقا،عبد ديفاني (60 عام) يعرف جميع المدمنين ويحيّيهم بالهُتاف. ولا يزال يأخذ زورقه على النهر بانتظام وغالباً ما يتوقف لتبادل الحديث. وقد رأى تغيرالنهر على مرِّ السنين. كان يقضي أياماً طويلة في المياه. كان لديه خمسة قوارب وكان يصيد حوالي 100 كيلو غراماً من الأسماك يومياً. كان الجميع في الأهواز يعتمدون على النهر، كما يقول عبد “نشأ الجميع على ضفافه، وشربوا مياهه وأكلوا أسماكه”.

لم يذهب عبد للصيد منذ ثلاث سنوات ، فليس هناك أيّة جدوى. الأسماك في السوق يتم الآن جلبها من مقاطعة أخرى. يقود عيد حالياً شاحنة نقل ويقوم بتوصيل شحنات صغيرة. هذه الوظيفة تجعله حزيناً. يقول: “لكن المجيء إلى النهر كل صباح ورؤية ما حدث له يجعلني أشعر بالحزن والغضب”. نهر قارون، الذي كان القلب النابض للأهواز، أصبح ملجأ للناس على هامش المجتمع.

قصة نهر قارون ليست فريدة من نوعها. وقال عباس عراقشى، وهو دبلوماسى كبير ونائب وزير خارجية ايران، إنّ الحرب القادمة سوف تكون الصراع على المياه. وقد أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي تنبؤاتٍ مماثلة، صُنّفت من خلالها أزمة المياه كسبب محتمل لحصول صراعٍ في المستقبل.

نُدرة المياه هي عامل مهم في العديد من النزاعات في الشرق الأوسط، وزيادة النُّدرة تؤدي بالتالي إلى زيادة المنافسة. إن النمو الهائل في عدد السدود هو أحد علامات ذلك. وقد قامت الدول الأقوى في المنطقة – إيران وتركيا – ببناء مئات السدود في العقود الأخيرة لتلبية احتياجاتها من المياه. وقد دفعت بلدان أخرى في المنطقة ثمناً باهظاً لذلك: الجفاف، والاضطرابات الاجتماعية، وفي الحرب الأهلية في حالة سوريا.

Khuzestan

خريطة 1: موقع السدود في إيران.

يظن ناصر كرامي، أستاذ علم المناخ في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، الذي نشأ في المقاطعة: “أنه في خوزستان، التغييرات لا رجعة فيها الآن”. لا يمكن للمرء أن يتكلم عن الندرة أو الظمأ، كما يقول، لأن المصطلح يشير إلى أنها ظاهرة مؤقتة. الحقيقة ليست كذلك، ” خوزستان قد جفّت”.

والعواصف الترابية ليست النتيجة الوحيدة لندرة المياه. يوجد إلى الشمال من الأهواز سهل جرداء. فمن الصعب أن نتصور أنه حتى وقت قريب كان هذا كله خصباً وأخضراً، لدرجة أنه يمكنك أن تأخذ قارباً خلال الأراضي الرطبة الشاسعة وسماع الطيور. ويؤدي الطريق في النهاية إلى أرفاند كينار، بالقرب من الحدود مع العراق والكويت. المنطقة تشتهربزراعة أشجار النخيل، ولكن كلما ذهبت باتجاه الشمال أكثر، كلما أصبح المشهد مقفراً أكثر. تبدو بعض المناطق وكأنها أصيبت بأمواج تسونامي. كل ما تبقى هي صفوف لا نهاية لها من جذوعٍ من دون تاج. ومع انخفاض منسوب المياه في قارون تسربت المياه المالحة من الخليج الفارسي إلى المزيد من الأراضي الداخلية. مما أدى إلى زيادة ملوحة التربة و بالتالي موت النخيل.

كما أن تأثير ندرة المياه مرئي وواضحٌ أيضا في الجنوب الغربي من الأهواز، تحديداً في الأراضي الرطبة في هورالعظيم. وحتى منتصف التسعينات، كان من الممكن أن يصل عمق المياه في الأراضي الرطبة إلى عشرة أمتار. في السنوات التي تلت، تم حرق و جرف الهكتار بعد الهكتار لاستخراج النفط. مشهد جاموس المياه وسقائف القصب هي أدلة على أن المياه كانت وفيرة هنا منذ وقت ليس ببعيد. ولكن من بين 40 قرية هنا، هناك قرية واحدة ما زالت مأهولة بالسكان.

Karun river

الصورة 2: شاب يوجه الجاموس إلى نهر كارون للاستحمام، إيران (المصدر: سونا اسكندر نيزهاد، فليكر).

ويمكن لندرة المياه أن تزعزع استقرار بلدان بأكملها. وأوضح مثال على ذلك هو سوريا التي تقع في حوض الفرات. وحيث أن السدود التركية عبر نهر الفرات، التي زاد عددها من 14 في 1980 إلى 120 سدا في اليوم الحالي، قللت من تدفق المياه إلى سوريا بنسبة 20-40%، مما أدى إلى حدوث الجفاف والعواصف الترابية وفقدان الأراضي الزراعية. وأدى ذلك إلى الهجرة إلى المدينة، حيث أثار الفقر والبطالة استياءاً واندلعت في نهاية المطاف مظاهرات أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011.

وفي العراق أيضا، كان لندرة المياه تأثير مباشر على الصراع الحالي. وكان هذا الاستنتاج الذي خلص إليه الصحفي بيتر شوارتزستين الذي أجرى أكثر من مائة مقابلة في العراق لصالح ناشيونال جيوغرافيك، ووجد أن معظم القرى المحرومة من المياه برزت كأحد أهم أسباب تجنيد الدولة الإسلامية.

هل يمكن أن يحدث ذلك في خوزستان؟ إن الوضع متفجر، كما قال كرامي. “أتوقع المزيد من المظاهرات، وسيكون من الصعب على الحكومة السيطرة عليها. أنا قلق بشأن ما سيحدث بعد ذلك لأنني أتوقع أنواعا مختلفة من الصراعات. خوزستان ضعيفة بالفعل بسبب التوترات العرقية والاجتماعية والثقافية، على سبيل المثال بين السكان العرب وغير العرب. الجميع يسأل نفسه: كيف يمكننا أن نكون فقراء جدا عندما نعيش على بحر من النفط؟ ”

ما يجعل هذا مؤلما بشكل خاص لسكان خوزستان هو أن السدود على قارون لا تستخدم فقط لتوليد الطاقة وري الأراضي الزراعية، كما أنها تستخدم لتوجيه المياه عبر الأنفاق إلى المحافظات الأخرى، ولا سيما أصفهان في وسط إيران، والتي تمتلك قوة سياسية أكبر. فلذلك يشعرالعديد من سكان خوزستان بأن مياههم تسرق.

والصراعات الصغيرة على المياه شائعة بالفعل، وكانت هناك مؤخرا مظاهرات في الأهواز. ولكن إذا كان سكان خوزستان يمكن أن يختاروا بين الهروب من المشكلة أو القتال، فإن معظمهم – بفضل قبضة الحديد للنظام – سيختار الأول. في العام الماضي، أظهرت دراسة مسربة أجرتها حكومة المقاطعة أن 95% من الذين شملهم الاستقصاء يريدون المغادرة. في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان، نشأت أحياء بأكملها لاستيعاب المهاجرين من خوزستان.

ويعتزم العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم من أجل هذه المادة أيضا المغادرة، مثل كريم باروداران (64 عام). وهو يبيع الفواكه والخضراوات في السوق في الحي العربي في الأهواز. “أصدقائي صيادون ولكن ليس لديهم وظائف بعد الآن. أبنائي عاطلون عن العمل “. هو الأجير الوحيد ويقوم بإعالة أبنائه. “عندما ينفد الماء، سيتعين علي الانتقال إلى مدينة أخرى أو إلى بلد آخر. أنا لست في وضع يسمح لي بتغيير أي شيء، لذلك سوف أضطر إلى التكيف “.

ويرى أيضا مرتضى زيباي ( 28 عام)، الذي يعمل حالياً في متجر لبيع الغسالات، آفاقا قليلة في الأهواز. وقد ذهبت بقية عائلته بالفعل إلى أصفهان وطهران. يقول: “عندما ينتهي عقدي في غضون ستة أشهر، سأغادر أيضاً”.

وقد أشارت إيران مراراً بإصبع الاتهام إلى تركيا. خاصة أن تركيا أعلنت أنها تمضي قدماً فى بناء سد اليسو المثير للجدل. ووصف الرئيس الايراني حسن روحاني السد خطراً على المنطقة بأسرها وكارثياً على إيران.

1_Danial Khodaie_Dust_Invasion

الصورة 3: خلال عاصفة غبار في خوزستان نتيجة لانكماش المياه (المصدر: دانيال خوداي).

ومع ذلك، فإن إيران في موقف تفاوضي صعب. تبدو تركيا عاقدة العزم على إكمال سد إليسو، على الرغم من المعارضة الدولية الواسعة النطاق، وسجل إدارة المياه في إيران، الذي هو أبعد من أن يكون مثاليا، كل هذا يترك لإيران نفوذا ضئيلاً. فعلى سبيل المثال، شهد سكان قلادزي في كردستان العراق انقطاع إمدادات المياه بنسبة 80 % في آب عندما تم بدأ تشغيل سد إيراني بالقرب من الحدود. وكان النهر الذي دمره هذا السد مصدراً هاماً للمياه في المنطقة الكردية.

وعلاوة على ذلك، فإن إيران تبني السد لضخم الخاص بها على نهر سيروان، وهو رافد لنهر دجلة. وسيخفض سد داريان إمدادات المياه إلى كردستان العراق بنسبة 60 %، وفقا لحسابات منظمة إنقاذ دجلة، وهي منظمة غير حكومية عراقية تحاول حماية النهر.

وقال رضا ارداكانيان وزير الطاقة الايراني انه يريد مراجعة جدوى وتأثير جميع السدود قيد الانشاء حاليا. ومن المقررعقد مؤتمر حول الدبلوماسية المائية وإدارة الأزمات في آذار 2018، عندما تهدف إيران إلى مراجعة وضعها الاستراتيجي للمياه في المنطقة.

ديفاني، الصياد السابق من الأهواز، لا يريد أن يغادر. انه كبير في السن جدا على الهجرة، لكنه لا يرى أي مستقبل هنا لأطفاله. “بدون نهر قارون، المدينة ليس لها أي معنى”.