تبرع
مياه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أزمة المياه في غزة

ميناء غزة
الصورة (1): ميناء الصيد في غزة، 2012. الصورة: Arne Hoel/ البنك الدولي.

مع توفر أقل من 4% من المياه الملائمة للاستهلاك البشري، يواجه قطاع غزة أزمة مياه متفاقمة باطراد على مدى العقد الماضي. يعتبر قطاع غزة أحد أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم بوجود أكثر من 4,500 نسمة لكل كيلومتر مربع[1]، حيث لم تعد تُلبي إمدادات المياه العذبة الطبيعية حاجة سكان القطاع البالغ عددهم 1,76 مليون نسمة.

Gaza strip
الخريطة (1): خارطة قطاع غزة. المصدر Fanack عن جامعة تكساس 2015

يتمثل المصدر الطبيعي الوحيد للمياه العذبة في غزة بالمياه الجوفية. ويتم في الوقت الراهن سحب المياه من الحوض الجوفي الساحلي، وهو حوض للمياه الجوفية يقع أسفل قطاع غزة، بمعدل يتجاوز ثلاثة أضعاف المعدل المستدام. وبعبارة أخرى، ينتج الحوض الجوفي بشكلٍ مستدام 55-57 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، إلا أنه في الوقت الحالي يتم استخراج 170-200 مليون متر مكعب سنوياً.

عملية الرصاص المصبوب غزة
الصورة (2): مباني مدمرة خلال عملية “الرصاص المصبوب،” 2012. الصورة: Marinus Arnesen

وبعد عقود من الضخ الجائر لمياه الحوض الساحلي، باتت تتسرب مياه البحر حالياً إلى الحوض الجوفي. وهذا يعني أن المياه التي تتدفق من صنابير المياه في منازل القطاع مالحة للغاية وغير صالحة للشرب.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدم وجود منشآت ملائمة لمعالجة المياه في جميع أرجاء قطاع غزة يعني أن حوالي 90 مليون لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئياً تتسرب داخل الحوض الجوفي وتصب في مياه البحر الأبيض المتوسط.

وعموماً، فإن أكثر من 96% من المياه في قطاع غزة غير صالحة للاستهلاك البشري. ولكن، بما أنّ الحوض الساحلي هو مصدر المياه الوحيد، لا يملك الغزيون أي خيار آخر سوى استخدامه، بالرغم من العواقب الوخيمة على الصحة العامة.

وتُقدر منظمة الصحة العالمية (WHO) أن المياه الملوثة مسؤولة عن 26% من جميع الأمراض في غزة، فضلاً عن أن 50% من الأطفال يعانون من الالتهابات الطفيلية ذات الصلة بالمياه. وعلاوة على ذلك، هناك شح في المياه، حيث لا يتوفر سوى 70-90 لتر من المياه للفرد في اليوم، أي أقل من المعيار الذي حددته منظمة الصحة العالمية بتوفير 100 لتر على الأقل للفرد الواحد في اليوم. تـفاقم هذا الوضع المتردي بالفعل بعد أن شنت إسرائيل عملية “الجرف الصامد” على قطاع غزة في صيف عام 2014. وإلى جانب تدمير وهدم المنازل، والشركات، وشبكات الطرقات، تسببت العملية أيضاً بخسائر تُقدر بـ34 مليون دولار في البُنية التحتية للمياه المتداعية بالفعل في القطاع، حيث أنّ الكثير منها لم يتم إصلاحه حتى نوفمبر 2015.

يعتبر هذا الوضع مُلحاً. وبالعودة إلى عام 2009، حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن طبقة المياه الجوفية في غزة قد تتعرض لضرر لا رجعة فيه إذا لم يتخذ أي إجراء:

“إن الوضع البيئي في قطاع غزة قاتم من جميع الجوانب… حوض المياه الجوفي يتعرض لأضرار بالغة وينهار بسرعة. وما لم يتم تغيير هذا الاتجاه الآن، قد يستغرق الضرر قروناً لعكسه… من الناحية المثالية، ينبغي إيقاف ضخ المياه من الحوض الجوفي ووضع نظام مراقبة لتقييم استرداد المعدلات. كما ينبغي السماح بالاستخراج المُنظم فقط في حال استعادت طبقة المياه الجوفية العائد المستدام بعد حسابه وفقاً لبيانات دقيقة عن التدفقات. كما ينبغي تطوير مصادر بديلة للمياه واستخدامها للسماح بإنعاش الحوض الجوفي الساحلي.”[2]

وبحلول عام 2012، حذرت مصلحة مياه بلديات الساحل في قطاع غزة من أنّ الحوض الساحلي قد ينهار بحلول عام 2016، فضلاً عن عدم القدرة على عكس الضرر بحلول عام 2020[3]. وفي الوقت الراهن، يتم اتخاذ التدابير على مختلف المستويات لتحسين الوضع ولكن لا تزال هناك الكثير من العقبات، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.

ما سبب أزمة المياه في قطاع غزة؟

أزمة المياه في غزة
الصورة 3: اطفال من رفح يقومون بتعبئة المياه من احد صنابير المياه العامة. المصدر: Flickr

إذاً، ما السبب في هذه الأزمة البيئية الكارثية؟ ولمَ لا يتم اتخاذ سوى القليل من الاجراءات لتصحيح الوضع؟ فقد حذر الخبراء، والسلطات المحلية، والمنظمات الدولية منذ عشرات السنين أن الضخ الجائر، والتلوث، وتسرب مياه البحر إلى حوض المياه الجوفية يشكّل تهديداً خطيراً على الصحة العامة والاستدامة البيئية في قطاع غزة.

ففي عام 1997، وصف البنك الدولي الوضع المائي في غزة باعتباره “حالة طوارئ.[4] ” ومع ذلك، بعد ما يقارب العشرون عاماً، ازدادت مستويات الضخ، بالإضافة إلى تفاقم التلوث، وتعرض أجزاء كبيرة من البُنية التحتية للمياه إما للضرر أو التدمير. ولكن، لمَ لم يعد بالإمكان إصلاح الوضع المتدهور لـ”حالة الطوارئ” في غزة؟

تكمن الإجابة في مزيج من العوامل التي تتراكم على ما يبدو في حلقة مُفرغة محتومة من الدمار. توضح الأقسام التالية كيف أنّ عدداً من العناصر المجتمعة- النمو السكاني السريع، والضخ الجائر، وتلوث خزانات المياه الجوفية المحلية، والصراع الدائر مع اسرائيل- دفعت بالإنهيار البطيء لحوض المياه الجوفية الساحلي في غزة.

الاكتظاظ السكاني

شاطىء غزة
الصورة 4: شاطىء غزة، 2006. المصدر: Gus

يبلغ عدد سكان قطاع غزة الذي يغطي مساحة 365 كيلو متر مربع فقط على شواطىء شرق البحر الأبيض المتوسط (الخريطة 1)، 1,76 مليون نسمة[5] . ويعتبر القطاع أحد أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض، حيث يبلغ المتوسط أكثر من 4,500 نسمة لكل كيلومتر مربع[6]، ويرتفع إلى 20,000 نسمة لكل كيلومتر مربع في المناطق الحضرية[7].

ازداد عدد السكان أكثر من 20 مرة على مدى السنوات الـ65 الماضية، من 80,000 نسمة عام 1948. ويمكن أن يُعزى هذا النمو المتسارع إلى عاملين أساسيين:

معدل المواليد المرتفع: قُدر معدل النمو السكاني في قطاع غزة بحوالي 3,45% عام 2014، مقارنة بـ2,6%في الضفة الغربية. يمتاز سكان القطاع بالشباب، حيث أن حوالي 43% منهم تحت سن الـ14 عاماً.
تدفق أكثر من 197,000 لاجىء منذ قيام دولة اسرائيل عام 1948. واليوم، أكثر من 70% من سكان غزة من اللاجئين.

وبالمضي قُدماً، تُشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان قطاع غزة سيصل إلى 2,1 مليون نسمة عام 2020، مما يدفع متوسط مستويات الكثافة إلى 5,835 نسمة لكل كيلومتر مربع عام 2020 وأكثر من 20,000 نسمة لكل كيلو متر مربع في المناطق الحضرية[8].

الاستهلاك الجائر للمياه الجوفية

تسبب النمو السكاني السريع في قطاع غزة بضغوطات كبيرة على الموارد الطبيعية، وبخاصة مصادر المياه. وتعتمد غزة بشكل كامل تقريباً على المياه الجوفية، إذ تأتي 98% من إمدادات مياه القطاع من الحوض الساحلي (الخريطة 2). أما الـ2% المتبقية فيتم شراؤها من شركة المياه الإسرائيلية ميكروت.

كما يتم استخدام هذه الأحواض الجوفية بالاشتراك مع اسرائيل ومصر، ولكن في حين تمتلك هذه الدول مصادر بديلة للمياه، يعتمد قطاع غزة بشكلٍ كلي على الحوض الساحلي.

المياه الجوفية فلسطين
الخريطة (2): الحوض الجوفي الجبلي والحوض الجوفي الساحلي. المصدر: Fanack عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة/ قاعدة بيانات الموارد العالمية- جنيف، 2002.

ومع ازدياد الطلب على المياه مع ازدياد الكثافة السكانية، تجاوزت معدلات الاستخراج من طبقة المياه الجوفية في غزة تدريجياً معدل التجديد الطبيعي. واليوم، يبلغ متوسط الاستخراج ما بين 170-200 مليون متر مكعب/ سنوياً،[9] أي أعلى بثلاث مرات من العائد المستدام للحوض الجوفي (الكمية التي يمكن استخراجها بشكلٍ آمن) والبالغة 55-57 مليون متر مكعب/ سنوياً (الشكل 1)[10].

أدى الضخ الجائر من الحوض الساحلي إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية بنسبة 10-20 متر على مدى الأربعين عاماً الماضية (الخريطة 3)[11]، مما سمح بتسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية من البحر الأبيض المتوسط من الغرب ومن المياه الجوفية العميقة في الجزءالجنوب الشرقي لإسرائيل (الشكل 2).[12]

المياه الجوفية غزة
الشكل (1): الضخ الجائر للحوض الجوفي الساحلي في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن Messerschmid، 2011، الأمم المتحدة/ الاسكوا والمعهد الفدرالي لعلوم الأرض والموارد الطبيعية في ألمانيا (BGR)، 2013؛ سلطة المياه الفلسطينية 2014.

تتم مراقبة ملوحة المياه الجوفية عن طريق تقييم تركيز الكلوريد في الآبار في قطاع غزة. ووفقاً لتوجيهات منظمة الصحة العالمية، ينبغي أن تكون مستويات الكلوريد أقل من 250 ملغ/ لتر كي تكون صالحة للاستهلاك البشري. ومع ذلك، فإن حوالي ربع الآبار البلدية فقط في قطاع غزة توافق هذا المعيار. وتختلف تركيزات الكلورايد من 250-600 ملغ/لتر في شمال قطاع غزة وغرب خان يونس، إلى 600-2,000 ملغ/لتر في أماكن أخرى. وعلى طول الساحل، تتجاوز المستويات 2,000 ملغ/لتر ويمكن أن تصل إلى أكثر من 10,000 ملغ/لتر بسبب تسرب مياه البحر (الشكل 5).[13]

المياه الجوفية في قطاع غزة
الشكل (2): انخفاض مستويات المياه الجوفية في قطاع غزة خلال الفترة ما بين 1967 و2013. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية 2014
ازمة المياه في غزة
الخريطة (3): تركيزات الكلورايد في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2014.

تلوث مصادر المياه

تلوث المياه في غزة
الصورة 5: مياه الفيضانات تختلط مع مياه الصرف الصحي الخام في حي الشيخ رضوان في غزة بعد أن ضربت العاصفة الشتوية “إليكسا” قطاع غزة في ديسمبر 2013. الصورة: Karl Schembri/ أوكسفام.

وبالإضافة إلى تسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، فإن الحوض الساحلي ملوث على نحوٍ متزايد أيضاً بمياه الصرف الصحي الخام وغيرها من المياه العادمة غير المعالجة.

وكل يوم، يتسرب حوالي 90 مليون لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئياً إلى المياه الجوفية وتتدفق إلى البحر الأبيض المتوسط، نظراً لعدم وجود مرافق لمعالجة مياه الصرف الصحي تعمل بشكلٍ ملائم[14]. وقد أدى ذلك إلى مستويات عالية من النترات وغيرها من الملوثات في المياه الجوفية، وهو أمر خطير بشكلٍ خاص بالنسبة للرضع والأطفال[15] .

ووفقاً لسلطة المياه الفلسطينية، التي تراقب تراكيز النترات في 211 من الآبار البلدية، 87% من الآبار تحتوي مستويات من النترات تتجاوز حدود منظمة الصحة العالمية البالغة 50 ملغ/لتر، مع تراكيز تصل إلى أكثر من 200 ملغ/لتر في بعض الأماكن (الخريطة 4)[16]. من ناحية أخرى، فمن الصعب اكتشاف التلوث بالنترات، ذلك أنه عديم اللون والطعم والرائحة. وهذا يجعل الأمر أكثر خطورة، إذ غالباً ما يواصل الناس استهلاك المياه التي تحتوي مستويات عالية من النترات إلى أن يتم إخبارهم بمخاطرها الصحية (الشكل 3)[17].

المياه في غزة
الخريطة 4: تراكيز النترات في المياه في قطاع غزة عام 2009. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2011. ملاحظة: المعيار العالمي المقبول للنترات في مياه الشرب هو 50 ملغ/ لتر.
أزمة المياه في غزة
الشكل 3: تراكيز النترات والكلورايد في المياه الجوفية في قطاع غزة وكمية المياه الملائمة للاستهلاك البشري. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2014.

وبالنظر إلى هذه الأمور مجتمعة، يجعل التلوث بالنترات والكلورايد جميع مياه قطاع غزة تقريباً غير صالحة للاستهلاك البشري. ووفقاً لسلطة المياه الفلسطينية، ما نسبته أقل من 4% من إمدادات المياه المنزلية في عام 2014 صالحة للاستهلاك البشري (الشكل 4)[18].

حذرت السُلطات المحلية، والمنظمات الدولية، وخبراء المياه منذ سنوات، أنه في حال عدم اتخاذ أي تدابير، “سينهار” خزان المياه الجوفية. وهذا يعني أن جميع المياه الجوفية ستصبح مالحة وملوثة بالكامل، وبالتالي تبرز الحاجة إلى توريد المياه من مصادر مختلفة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فقدان حوالي 55 مليون متر مكعب/ السنة من المياه الصالحة للاستخدام. ووفقاً لتقرير عام 2011، فإن تكلفة إعادة مثل هذا الحجم ستصل إلى ما يقرب الـ300 مليون دولار، بتكاليف جارية لا تقل عن 0,55 دولار لكل متر مكعب من المياه العذبة من خلال تحلية المياه لاستبدال الموارد الملوثة.

تلوث المياه الجوفية في غزة
الشكل 4: مصادر ملوثات المياه الجوفية في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2011.

الصراع المستمر مع اسرائيل

 water specials report gaza beit hanun in ruins after israeli attacck august 2014
الصور 6: أنقاض في بيت حانون، قطاع غزة، أغسطس 2014. المصدر: B’Tselem.

تفاقم الوضع في غزة جراء الأضرار الناجمة عن الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية المتكررة (الرصاص المصبوب 2008-2009، عامود السحاب 2012، عملية الجرف الصامد 2014)، والتي أسفرت عن أضرار واسعة النطاق على البُنية التحتية لإنتاج المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. وعلاوة على ذلك، يمنع الحصار الاسرائيلي المستمر منذ عام 2007 استيراد مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار، وغيرها من المواد اللازمة لصيانة وتشغيل أنظمة المياه والمياه العادمة ومعالجة المياه بمستويات مقبولة. حتى أن المواد البسيطة، مثل أغشية فلاتر المياه وتنقية المياه من الكلور غالباً ما تكون غير متوفرة.

وقبل عامين من التوغل العسكري الاسرائيلي عام 2014 في قطاع غزة، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً لتقييم الأوضاع المعيشية في غزة عام 2020. وذكرت الدراسة أن عدد سكان غزة سيرتفع من 1,6 مليون نسمة عام 2011 إلى 2,1 مليون نسمة عام 2020، وخلصت الدراسة إلى ضرورة بذل “جهود جبارة” في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي، إذا ما أرادت غزة أن تكون مكاناً صالحاً للعيش عام 2020.[19] وبدلاً من ذلك، تفاقم الوضع بشكلٍ أكبر.

وبعد عملية الجرف الصامد، التي استمرت من شهر يوليو حتى أغسطس 2014، أفادت الأمم المتحدة أن الأضرار التي لحقت بالبُنية التحتية المتعثرة بالفعل تُقدر بـ34 مليون دولار، بما في ذلك تعطل وتدمير 20-30% من شبكات المياه والصرف الصحي، و30-50% من أحواض التخزين وخزانات المياه، و220 بئر زراعي والأضرار التي لحقت بمحطة معالجة مياه الصرف الصحي في دير البلح.

وبعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار، لم تبدأ عميات إعادة الإعمار في العديد من المناطق بسبب نقص التمويل والمواد، وبالتالي يظل نقص المياه مصدر قلقٍ يومي لغالبية الغزيين.

ووفقاً لتقرير صدر عن الأمم المتحدة لعام 2015، أدى الصراع المستمر إلى تأخر التنمية وانتشار الفقر في غزة.

“ثلاث عمليات عسكرية اسرائيلية في السنوات الست الماضية، بالإضافة إلى ثماني سنوات من الحصار الاقتصادي، أدى إلى تدمير البُنية الأساسية الواهنة بالفعل في غزة، وحطم قاعدتها الانتاجية، ولم يترك أي وقت لإعادة إعمار هادفة أو انتعاش اقتصادي، وأدى إلى افقار السكان الفلسطينيين في غزة، مما جعل الرفاه الاقتصادي أسوء مما كان عليه في العقدين السابقين.”[20]

ويُشير التقرير نفسه إلى أن الإصلاح على المدى الطويل للأضرار المتراكمة واضمحلال البُنية التحتية للمياه ومياه الصرف الصحي سيتطلب تمويلاً بحدود 620 مليون دولار.

كيف تؤثر أزمة المياه على الحياة في غزة؟

أزمة المياه في غزة
الصورة 7: رجل مُسن يملأ قارورة ماء من الحوض العام التابع لمحطة معالجة مياه الصرف الصحي لسلطة مياه خان يونس، 2014. المصادر: Muhammad Sabah, B’Tselem.

ؤثر أزمة المياه في غزة على جميع قاطني المنطقة البالغ عددهم 1,76 مليون نسمة. فمياه الصنابير التي تزودها البلديات للمنازل، والتي غالباً ما يتم قطعها بسبب انقطاع الكهرباء، مالحة جداً ولا تصلح للشرب، وبالتالي يضطر السكان إلى شراء مياه الشرب من الباعة الخاصين. كما أن التلوث الشديد لمصادر المياه في غزة له تأثير كبير على الصحة العامة، حيث يعاني الأطفال على وجه الخصوص من خطر الإصابة بالأمراض ذات الصلة بالمياه. وبالإضافة إلى ذلك، يعاني الاقتصاد المحلي، وبخاصة الإنتاج الزراعي والبيئة، من عواقب ندرة المياه والتلوث.

الحياة اليومية

مع تفاقم أزمة المياه على مدى العقود، كان على مواطِني غزة وضع مجموعة من الاستراتيجيات للتأقلم مع الوضع.

إن المياه الموزعة من خلال شبكة إمدادات المياه إلى المنازل في قطاع غزة غير صالحة للشرب بسبب ملوحتها المرتفعة. يُطلق سكان غزة على هذه االمياه اسم “المياه المالحة.” كما تحتوي هذه المياه أيضاً على مستويات عالية من النترات والملوثات الأخرى التي لا تؤثر على الطعم والخصائص الأخرى للمياه، مما يشكل خطراً على الصحة العامة. وبسبب ملوحتها، تُستخدم مياه البلدية التي تصل إلى المنازل عبر الصنابير بشكلٍ عام في الأعمال المنزلية والغسيل، إذ غالباً ما تسبب الأمراض الجلدية والإلتهابات الأخرى. وعلاوة على ذلك، يسبب تكرار انقطاع التيار الكهربائي والضغط المنخفض لشبكة المياه، انقطاع ونقص المياه المستمر.

يقوم سكان غزة بشكلٍ أساسي بشراء مياه الشرب من الباعة الخاصين، الذين يوفرون المياه من أكثر من 40 محطة تحلية خاصة ظهرت خلال السنوات الأخيرة. فقد رخصت سلطة المياه الفلسطينية  حوالي نصف هذا العدد من المحطات فقط، ولا تتم مراقبة أي منها للكشف عن جودة المياه المُنتجة. يحصل المستهلكون على هذه المياه بواسطة صهاريج المياه، أو يذهبون لتعبئة جراكن المياه من الخزانات الصغيرة الموجودة في زوايا المحلات والمراكز التجارية المنتشرة في جميع أنحاء قطاع غزة.[21]. الأسعار مرتفعة (1,30 دولار لكل 100 لتر) وقد يصل انفاق الأسر الفقيرة إلى ثلث دخلها على إمدادات المياه.

أزمة المياه في غزة
الصورة 8: يعاني نصف الأطفال في غزة من الالتهابات الطفيلية نتيجة لتلوث الموارد المائية، 2010. الصور: تحالف الشرق الأوسط للطفولة.

الصحة

يؤدي شرب المياه المالحة والملوثة بشكل كبير إلى العديد من التأثيرات الخطيرة على الصحة، سيما بين الأطفال.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، المياه الملوثة في غزة مسؤولة عن 26% من جميع الأمراض المنتشرة في القطاع، حيث يعاني 50% من أطفال غزة من الالتهابات الطفيلية ذات الصلة بالمياه[22]. تُصيب الطفيليات المعوية الأطفال في جميع أنحاء غزة، ولكن الأطفال الذين يعيشون

في المجتمعات الزراعية وبالقرب من برك الصرف الصحي معرضون للخطر بشكلٍ خاص. تؤثر الالتهابات الطفيلية والإسهال المزمن أيضاً على نمو الطفل وتطوره[23].

بشكلٍ عام، البالغون والأطفال معرضون لخطر الإصابة بمجموعة من الأمراض ذات الصلة بالمياه:

  • يؤدي شرب المياه المالحة إلى خلل في الكلى، وفشل القلب، وأعراض عصبية، والخمول، وارتفاع ضغط الدم.
  • ارتفاع مستويات الفلورايد سامة، الأمر الذي يسبب التهاب المعدة والقرحة، والفشل الكلوي، وتسمم العظام بالفلور (يسبب كسور العظام والشلل)، وتسمم الأسنان بالفلور (تسبب خطوط سوداء حول اللثة وتسوس الأسنان).
  • ارتفاع مستويات النترات إلى الإصابة بمتلازمة “الطفل الأزرق” وسرطان المعدة[24].
  • وعلاوة على ذلك، فإن وضع شبكة الصرف الصحي في غزة سيء، مما قد يؤدي إلى انتشار الأوبئة مثل الكوليرا[25].

متلازمة الطفل الأزرق

التركيز العالي للنترات في مياه الشرب يشكل خطورة، على وجه الخصوص، على الرُضع، إذ قد يؤدي إلى الإصابة بمتلازمة الطفل الأزرق أو ميتهيموغلوبينيَّة الدم. يؤدي إضطراب الدم هذا إلى إرتفاع مستويات الميتيموغلوبين بشكل أعلى من المستويات الطبيعية، وهو شكل من أشكال الهيموجلوبين الذي لا يتحد مع الأكسجين. قد تظهر على الرُضع الذين يعانون من متلازمة الطفل الأزرق علامات ازرقاق حول الفم واليدين والقدمين. كما قد يعانون من نوبات صعوبة التنفس، والإسهال والتقيؤ. وفي الحالات القصوى، قد تؤدي إلى الوفاة.

جلت حالات إصابة بمتلازمة الطفل الأزرق في غزة لأول مرة في التسعينيات. وفي عام 2002، وجدت دراسة أن 48,5% من الأطفال لديهم مستويات عالية من الميتيموغلوبين. ولا توجد دراسات حديثة عن انتشار متلازمة الطفل الأزرق في غزة، ولكن مع ازدياد تركيزات النيترات بشكل مطرد على مدى السنوات الـ15 الماضية، وانخفاض نسب الوعي بالمرض وأسبابه، فإن عدد كبير من الأطفال معرضون للخطر[26].

البيئة

المياه الملوثة في غزة.
الصورة 9: المياه الملوثة في غزة. المصدر: Flickr

إن سوء نوعية المياه في غزة له تأثير كبير على البيئة. كما أن وادي غزة، وهو نهر موسمي ينشأ في اسرائيل ويتدفق عبر قطاع غزة إلى البحر الأبيض المتوسط، ملوث بشدة بمياه الصرف الصحي.

وعلاوة على ذلك، فإن عدم وجود مرافق كافية لمعالجة المياه يعني أيضاً أن مياه الصرف الصحي في كثير من الأحيان تنتشر في الشوارع والمناطق السكنية والمنازل والأراضي الزراعية.

وعلى طول الساحل، يتدفق حوالي 33 مليون متر مكعب/ سنوياً من مياه الصرف الصحي غير المعالجة من 16 منفذاً

بشكلٍ مباشر في البحر[27] . الأسماك فاسدة والساحل ملوث، مما يؤثر على نوعية حياة سكان غزة وسُبل عيش الصياديين. كما يؤثر تصريف مياه الصرف الصحي من غزة أيضاً على جودة المياه على طول الساحل، ومن بين أمورٍ أخرى، على مدخول المياه في محطة التحلية الاسرائيلية في عسقلان[28].

الزراعة

كما تؤثر سوء نوعية المياه في غزة أيضاً على الإنتاج الزراعي، حيث تؤثر الملوحة العالية للمياه الجوفية على نمو المحاصيل. هذا وتخلى العديد من المزارعين عن زراعة بعض المحاصيل التقليدية، مثل الفراولة والخيار والبندورة، لزراعة محاصيل تتحمل الملوحة بشكلٍ أكبر.

وتبقى الزراعة المستهلك الأكبر للمياه في قطاع غزة، حيث تستهلك حوالي 60-65% من إمدادات المياه[29] . وهناك أكثر من 4,600 بئر زراعي في غزة، حيث تم حفر أكثر من 2,000 منها بشكلٍ غير مشروع ودون إشرافٍ أو تنظيم[30]. وهذا يعني أنه لا تتم مراقبة كمية ولا جودة المياه المستخرجة من هذه الآبار. إن عدم وجود التنظيم السليم لهذه الآبار يضع مزيداً من الضغوط على إمدادات المياه في غزة.

[1] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[2] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[3] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[4] Messerschmid, C., 2011. Water In Gaza: Problems and Prospects. Working Paper Series IALIIS-BZU-WPS 2011/19 (ENG) CPE Module. Ibrahim Abu-Lughod Institute of International Studies (IALIIS) – Birzeit University.
[5] www.pcbs.gov.ps. Figure for 2014.
[6] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[7] UN OCHA oPt, 2014. Strategic Response Plan, Fact Sheet, 5 December 2014.
[8] Ibid.
[9] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014; Palestinian Water Authority, 2011. The Gaza Emergency Technical Assistance Programme (GETAP) on Water Supply to the Gaza Strip Component 1 – The Comparative Study of Options for an Additional Supply of Water for the Gaza Strip (CSO-G); Palestinian Water Authority, 2014a. National Water Strategy for Palestine, Toward Building a Palestinian State from Water Perspective, Draft Copy.
[10] PWA, 2011; PWA 2014; World Bank, 2009. West Bank and Gaza Assessment of Restrictions on Palestinian Water Sector Development.
[11] PWA, 2014a.
[12] PWA, 2011.
[13] PWA 2014.
[14] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[15] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[16] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014.
[17] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[18] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014.
[19] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[20] UNCTAD, 2015. Report on UNCTAD assistance to the Palestinian people: Developments in the economy of the Occupied Palestinian Territory, Geneva, September 2015.
[21] World Bank, 2009. West Bank And Gaza Assessment of Restrictions on Palestinian Water Sector Development.
[22] Eco Peace/Friends of the Earth Middle East & INSS, 2014. The Water, Sanitation and Energy Crises in Gaza, Humanitarian, Environmental and Geopolitical Implications With Recommendations for Immediate Measures.
[23] UNICEF, 2011. Protecting Children from Unsafe Water in Gaza: Strategy, Action Plan and Project Resources.Eco Peace/Friends of the Earth Middle East & INSS, 2014.
[24] Eco Peace/Friends of the Earth Middle East & INSS, 2014.
[25] Ibid.
[26] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[27] UNCTAD, 2015. Report on UNCTAD assistance to the Palestinian people: Developments in the economy of the Occupied Palestinian Territory, Geneva, September 2015.
[28] World Bank, 2009. West Bank and Gaza Assessment of Restrictions on Palestinian Water Sector Development.
[29] World Bank, 2009. West Bank and Gaza Assessment of Restrictions on Palestinian Water Sector Development.
[30] Messerschmid, C., 2011. Water In Gaza: Problems and Prospects. Working Paper Series IALIIS-BZU-WPS 2011/19 (ENG) CPE Module. Ibrahim Abu-Lughod Institute of International Studies (IALIIS) – Birzeit University.