الصفحة الرئيسية / العراق / ما الذي يحمله المستقبل للمياه في العراق؟

ما الذي يحمله المستقبل للمياه في العراق؟

مستقبل المياه في العراق
أظهرت وزارة الموارد المائية فهمها للتحديات التي تواجه البلاد، واعتمدت إستراتيجية من شأنها أن تساعد في التخفيف من شح المياه في المستقبل.وعلى الرغم من هذا، تهدد عدة أزمات بدفع البلاد نحو المزيد من التدهور. البُنية التحتية المعيبة، وأنظمة الري والزراعة التي عفا عليها الزمن، والتنمية عند المنبع، التمرد المسلح تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، والنواقص في الميزانية، وعدم الاستقرار السياسي، وتغير المناخ، جميعها تتطلب حلولاً حكيمة، حيث تشكل كلاً منها منفردة صعوبةً بحد ذاتها، فكيف إن اجتمعت.

عوامل الخطر والعقبات

تتمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام الإدارة الإستراتيجية للموارد المائية بالتنسيق بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل. إن قدرة الإدارة المركزية على الاستمرار في إدارة الموارد المائية بالاشتراك مع حكومة كردستان أمر أساسي، ذلك أنّ الإدارة الفعّالة والمتقنة لأكبر الخزانات التي تقع في الشمال هي السبيل الوحيد لتوفير المستوى المطلوب من التنمية للبلاد بأكملها. وسيكون، بكل تأكيد، الفشل في الحفاظ على التنسيق في المستقبل، هو السبب في توتراتٍ اجتماعية واقتصادية جمّة، فضلاً عن الخسارة الفادحة في الفرص لكلا الجانبين.

إن هناك عقبة أخرى تتمثل في تأثر العراق بالتنمية عند المنبع في كلٍ من تركيا وإيران وسوريا (على الرغم من أن الأخيرة دمرت بسبب  التمرد المسلح لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”). وإن لم تحقق دول المنبع الكفاءة المتوقعة في القطاع الزراعي على مدى الأعوام العشرين المقبلة، فمن المرجح أن يؤدي هذا إلى المزيد من الانخفاض في كمية ونوعية المياه المتوقع نقلها إلى العراق- إلى جانب الضرر الاقتصادي والاجتماعي الذي يُصاحب ذلك. وبالتالي، ينبغي أن يكون اكتساب فهم أفضل للخطط والتطورات الفعلية في تركيا وغيرها من الدول المتشاطئة،والتوصل إلى إستراتيجية شاملة للتفاوض على المياه، على رأس قائمة أولويات الحكومة. وفي الوقت نفسه، ينبغي على العراق زيادة كفاءته الزراعية، وإعادة تأهيل شبكة الري وتصريف المياه وجمعها، وإصلاح مختلف عناصر البنية التحتية للمياه، بما في ذلك سد الموصل.

ومع ذلك، يتمثل أكبر العوائق أمام الإدارة المستدامة للمياه في الوضع الأمني المتقلب الحاصل بسبب  التمرد المسلح لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش.” فقد استهدف التنظيم على وجه التحديد البُنية التحتية للمياه على نهري دجلة والفرات كعنصرٍ أساسي من إستراتيجيته للتوسع، وتمكّن من السيطرة على ما يصل إلى 6 سدود عام 2015. كما أنّ السيطرة على المباني الرئيسية إلى جانب البيئة الخطيرة التي خلقتها النزاعات المسلحة، جعل من إدارة وإصلاح وتحديث البُنية التحتية اللازمة أمراً مستحيلاً.[1]

سد الرمادي المياه في العراق
الصورة رقم (2): البوابة الجنوبية لسد الرمادي في العراق ( المصدر : NortyNort)

كما أن السيطرة على البُنى التحتية الرئيسية للمياه سمح لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” باستخدام الموارد المائية لأغراض عسكرية، مثل إغراق المناطق بالمياه أو تلويث مياه الشرب.[2]ومنذ عام 2013، شنّ تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ما يقارب الـ20 هجوماً كبيراً على البُنية التحتية للمياه في العراق وسوريا، بما في ذلك إغلاق بوابات السدود في كلٍ من الفلوجة والرمادي وقطع المياه عن مدينة الموصل.[3]وعلى الرغم من خسارة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” لمساحاتٍ شاسعة من الأراضي التي كان يُسيطر عليها (والبُنى التحتية التي تتضمنها)، خلال عام 2016، [4] إلا أنّ وزارة الموارد المائية ستواجهه مهمةً صعبة فيما يتعلق بإعادة بناء وتأهيل أياً كان ما خلفوه ورائهم.

الخطوط العريضة لإستراتيجية طويلة الأمد

كحال العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبدو مستقبل توافر المياه العذبة في العراق قاتماً. في الواقع، من المتوقع أن أعداد الأشخاص الذين يعيشون في أحواض الأنهار،في ظل ضغوطٍ حادة على المياه،سيتجاوز الضعف بين عاميّ 2000 و2050 إلى 3,9 مليار نسمة.[5] وقد ذكرت الحكومة أنها ملتزمة بإيجاد موارد إضافية للمياه الجوفية من أجل زيادة إجمالي إمدادات المياه المتاحة، فضلاً عن إصلاح قطاع الزراعة للحد من الاستهلاك.

ولتحقيق الأمن المائي في العراق، ينبغي أن يكون السعي لإبرام اتفاق أو أكثر مع تركيا وسوريا،يتناول نوعية وكمية المياه التي تدخل العراق من نهري دجلة والفرات، على رأس قائمة الأولويات. وبالإضافة لذلك، وبما أنّ الاحتياجات المائية في العراق ستتجاوز قريباً المياه المتوفرة، تبرز الحاجة إلى وضع خطة مستقبلية للاستفادة بالشكل الأمثل من إمدادات المياه المتوقعة في البلاد، بما في ذلك تحسين تشغيل الخزانات وزيادة كفاءة استهلاك المياه.

كما أن التوسع في عدد من مرافق معالجة المياه وتحسين وتوسيع شبكة أنابيب المياه التي تنقل المياه وتخدم مستخدمي المياه في قطاعي البلديات والصناعة في العراق ذات أولوية كبيرة. وكحدٍ أدنى، يجب أن تلبي معالجة مياه الشرب معايير مياه الشرب المنصوص عليها في اللائحة رقم 417 لعام 1974، لمواصفات مياه الشرب القياسية في العراق، المعدلة عام 2000، والتي تعتبر في بعض الأحيان أكثر صرامة من المبادئ التوجيهية والدلائل الإرشادية لنوعية مياه الشرب لمنظمة الصحة العالمية.

ومن الأمور ذات الأهمية الأساسية في ضبط الملوحة على طول الأنهار في العراق، هو تغيير الطريقة التي تتم بها إدارة التصريف الزراعي. فمن الآن وحتى عام 2035، ينبغي ربط مشاريع الري تدريجياً بقنوات التصريف التي تنقل التدفقات المرتجعة من الزراعة، وعزل الصرف الزراعي الملوث، بشكلٍ فعّال، عن إمدادات المياه العذبة. ومن المتوقع أن تحسّن هذه الإجراءات نوعية المياه في العراق إلى حدٍ كبير.

الخلاصة

أظهرت وزارة الموارد المائية فهمها للتحديات التي تواجه البلاد، واعتمدت إستراتيجية من شأنها أن تساعد في التخفيف من شح المياه في المستقبل.وعلى الرغم من هذا، تهدد عدة أزمات بدفع البلاد نحو المزيد من التدهور. البُنية التحتية المعيبة، وأنظمة الري والزراعة التي عفا عليها الزمن، والتنمية عند المنبع، التمرد المسلح تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والنواقص في الميزانية، وعدم الاستقرار السياسي، وتغير المناخ، جميعها تتطلب حلولاً حكيمة، حيث تشكل كلاً منها منفردة صعوبةً بحد ذاتها، فكيف إن اجتمعت.

وفي النهاية، لا يمكن للعراق انتظار عالمٍ مثالي لإدارة موارده المائية بشكلٍ أفضل. فالتغييرات السياسية المختلفة يمكن أن تحسّن إدارة الموارد المائية خلال هذا الوقت، بما في ذلك تحفيز الكفاءة، وإعادة هيكلة سياسات التخزين وآليات التخصيص. ويتعيّن على الحكومة أن تبذل ما في وسعها، في أقرب وقتٍ ممكن، لحماية الموارد الطبيعية الأثمن في البلاد.

[1] BBC News, 2015. ‘Islamic State’s “water war” on Iraq’. Available at www.bbc.com/news/world-middle-east-34905237, accessed 6 June 2016.
[2] Tobias von Lossow, 2016. Water as Weapon: IS on the Euphrates and Tigris. Available at: www.swp-berlin.org/fileadmin/contents/products/comments/2016C03_lsw.pdf, accessed 18 August 2016.
[3] Ambika Vishwanath, 2015. The Water Wars Waged by the Islamic State. Available at: https://www.stratfor.com/weekly/water-wars-waged-islamic-state, accessed 18 August 2016.
[4] Henry Johnson, 2016. The Islamic State is Losing its Territory – and Fast. Available at: http://foreignpolicy.com/2016/03/16/mapped-the-islamic-state-is-losing-its-territory-and-fast/, accessed 18 August 2016.
[5] Helen Mountford, 2011. Water: The Environmental Outlook to 2050. OECD Global Forum on Environment: Making Water Reform Happen, 25-26 October 2011, Paris.