تبرع
مياه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

صيف الجفاف: دروس من إيران وتركيا؟

نهر زاينده رود في إيران - صيف الجفاف
الصورة 1: امرأة إيرانية تمشي على طول مجرى نهر زاينده رود الجاف في مدينة أصفهان ، على بعد 450 كيلومترًا (281 ميلًا) جنوب طهران في 14 ديسمبر 2021 عند غروب الشمس ، حيث يُرى منظر لجسر خاجو التاريخي على اليسار. زاينده رود هو واحد من المناطق السياحية الرئيسية في أصفهان ، والتي جفت تمامًا ، كما قد تتضرر الجسور التاريخية على النهر بسبب هبوط مجرى نهر زاينده رود إذا استمر الجفاف. المصدر: Morteza Nikoubazl / NurPhoto via AFP

نشهد في الوقت الحالي “صيف جفاف” آخر. أبلغت العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم عن سجلات جديدة للجفاف وقضايا ندرة المياه. فكر في إيطاليا ، التي تواجه أسوأ موجة جفاف منذ 70 عامًا وأعلنت حالة الطوارئ في مناطقها الشمالية. أو ضع في اعتبارك لقطات لعدد لا يحصى من الأنهار الجافة في أماكن أخرى من أوروبا. بالنسبة للأوروبيين ، يبدو أن الجفاف وندرة المياه ظاهرة جديدة نسبيًا ، ولا يزال يتعين عليهم تعلم كيفية التعامل معها. ومع ذلك ، فإن هذه الظاهرة مألوفة للغاية بالنسبة لمعظم البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تركيا وإيران دولتان من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا و ليستا جديدتين على الجفاف ونقص المياه. ما الذي يسبب زيادة الجفاف وندرة المياه في كلا البلدين؟ يمكن أن نشير إلى تغير المناخ كسبب رئيسي ، الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار. ومع ذلك ، ألا تلعب إدارة المياه والسياسات والسلوك البشري دورًا أكبر؟ بناءً على تقارير المياه لكلا البلدين ، سنقوم بمراجعة بعض الأسباب الخارجية والداخلية للجفاف وندرة المياه. أيضًا ، سننظر في بعض الحلول الممكنة الموصى بها لكلا البلدين ، بالإضافة إلى السياسات الناجحة التي تم تنفيذها بالفعل. يمكن لدراسات الحالة الخاصة بإيران وتركيا أن تسلط الضوء على أمثلة على ما (لا) يجب فعله عندما يتعلق الأمر بالجفاف ونقص المياه في أماكن أخرى من العالم.

الجفاف وندرة المياه في تركيا وإيران

في عام 2014 ، عانت تركيا من أكثر الأعوام جفافاً منذ عام 1961. [1] شكل الجفاف تحديات لإمدادات المياه في البلاد ، لا سيما في المناطق الحضرية ، وأثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي. مما يُثير القلق أن الجفاف الجوي في تركيا قد يؤدي إلى جفاف مائي وسيواصل تأثيره على الموارد المائية في السنوات المُقبلة.

تواجه إيران تحدياتٍ غير مسبوقة في تأمين الماء والغذاء لسكان البلاد الذين تتزايد أعدادهم، والذين من المتوقع أن يصل عددهم إلى 92 مليون نسمة بحلول عام 2050. هذه التحديات ليست ناجمةً فحسب عن مناخ إيران شبه القاحل وانخفاض هطول الأمطار على مدى العقد الماضي، بل أيضاً بسبب الإدارة غير الفعّالة للموارد المائية. وإذا ما استمر الاتجاه الحالي، ستشكل ندرة المياه الحالية أزمة. في الواقع ، تُظهر منطقة خوزستان الإيرانية بالفعل احتمالية قاتمة لحياة من الجفاف الدائم وندرة المياه.

تغير المناخ: انخفاض هطول الأمطار والمزيد من حالات الجفاف

في إيران وتركيا ، يعمل تغير المناخ على تقليل هطول الأمطار وزيادة حالات الجفاف. في الخمسين عاماً الماضية، واجهت إيران حالات جفاف شديدة وطويلة الأمد، مما هدد بشكلٍ كبير توافر المياه في جميع القطاعات. ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة مخاطر الجفاف في بعض أجزاء البلاد والتسبب في حدوث فيضانات في مناطق أخرى. حدث أكبر فيضان في تاريخ إيران الحديث في أبريل 2016، عندما فاض نهر قارون في مقاطعة خوزستان الجنوبية الغربية. تقع إيران داخل الحزام الجاف من العالم، حيث بلغ هطول الأمطار السنوي 228 ملم عام 2017. [2] تعتبر هذه القيمة المتوسط منذ عام 1994، وهي أقل بنسبة 6% من المتوسط طويل المدى، وهو 242 ملم/ السنة. حدث انخفاض مماثل في متوسط الجريان السطحي حيث بلغ 52 مليار متر مكعب وأقل بنسبة 42% من المتوسط طويل الأجل. توزيع هطول الأمطار غير متساو في جميع أنحاء البلاد، ويسقط أقل هطول للأمطار في أكثر المناطق كثافة سكانية (الخريطة 1).

أما في تركيا, فمن المتوقع أن تكون أالموارد المائية هي أول من سيعاني من تغير المناخ. ومن المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة من 2,5 إلى 3,5 درجة مئوية بينما سينخفض هطول الأمطار بنسبة 25-35% في أرجاء تركيا قبل عام 2100.[3] هذا التغيير ربما سيكون له تأثير سلبي أيضاً على الموازنة المائية في تركيا وزيادة الإجهاد المائي في البلاد.

هطول الأمطار في إيران
الخريطة (1): توزيع هطول الأمطار (بالملليمتر) عبر 31 محافظة إيرانية. تشير الأرقام إلى مجموعات سكانية مختارة بملايين الأشخاص. @Fanack water

الندرة من صنع الإنسان: نضوب المياه الجوفية

منذ ثمانينات القرن الماضي وإدخال السياسة الحكومية لتصبح البلاد مكتفية ذاتياً في إنتاج القمح، شرعت الحكومة بتنفيذ استثمارات ضخمة لبناء السدود على الأنهار الرئيسية و توسيع مساحة الأراضي المزروعة. وعلى الرغم من أنّ هذه السياسة جلبت مزيداً من الاستقرار السياسي، إلا أنه كان لها تأثير لا رجعة فيه على استدامة الموارد المائية المتجددة في البلاد و التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وتنخفض مستويات المياه الجوفية بمعدل 2-4 متر سنوياً، ذلك أن طبقات المياه الجوفية التي تُعاد تغذيتها ببطء لم تعد قادرةً على مواكبة العدد المتزايد من مستخدمي المياه ومعدلات السحب. على الرغم من عدة إجراءات من قبل الحكومة, ما يزال القطاع الزراعي يستهلك المياه الجوفية بشكلٍ متزايد، مما يُثير الشكوك حول جدوى هذه القيود. [4] [5] يحدث أكثر الاستغلال المفرط في الأحواض المركزية حيث تتوفر كميات أقل من المياه السطحية.

كما يُمثل الاستهلاك غير المقيد لموارد المياه الجوفية في تركيا في المناطق ذات المياه السطحية غير الكافية (الأنهار والبحيرات) تحدياً آخر للبلد. وعلى الرغم من فرض لوائح قانونية على حفر الآبار، إلا أنه من غير المرجح أن يتوقف استخدام الآبار غير المرخصة لاستخراج المياه الجوفية ما لم تتحسن العقوبات وعمليات التفتيش، إذ تخضع موارد المياه الجوفية للاستهلاك الكثيف للأغراض الزراعية. وبسبب الاستغلال المفرط، فإن معظم موارد المياه الجوفية مهددة بالانقراض.

بحيرة أكغول في تركيا - صيف الجفاف
الصورة 2: رجل يقف على تربة متصدعة في بحيرة أكغول التي جفت بسبب موجة الحر والتبخر، في منطقة أوزالب في منطقة فان في تركيا في 10 أغسطس 2022. المصدر: Hakan Sari / Anadolu Agency via AFP

الحلول والتوصيات

ما الذي يمكن أن تفعله تركيا وإيران لتقليل استخدامهما للمياه وتجنب زيادة الإجهاد المائي أو حتى أزمة المياه؟ سلطنا الضوء على العديد من الإجراءات من تقارير المياه لكلا البلدين.

تقنيات وحوافز جديدة للمزارعين
تُستخدم المياه الجوفية في تركيا بشكل رئيسي في الري الزراعي. وينبغي تشجيع التقنيات الموفرة للمياه مثل الرش والري بالتنقيط لزيادة الكفاءة، إذا أن معدل خسارة المياه في الري السطحي التقليدي أعلى بكثير من التقنيات الأخرى. وفي السنوات الأخيرة، تم منح المزارعين حوافز ووسائل مختلفة لتبني تقنيات الري الموفرة للمياه. تعتبر هذه خطوة كبيرة، إلا أن التنفيذ الفعال لهذه التقنيات يتطلب أيضاً المراقبة والتقييم.

وفي إيران يتم توفير حوافز اقتصادية، مثل القروض منخفضة الفائدة، للمزارعين لتركيب أنظمة الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط أو الري بالرش، التي تعتبر أفضل كفاءة في استخدام المياه. وتستخدم أيضاً ممارسات زراعية جديدة التي تستهلك كمياتٍ أقل من المياه، مثل الزراعة المائية، لإنتاج البيوت الزجاجية واسعة النطاق في بعض المدن، بما في ذلك طهران، وهشتغرد، وكرج، وجزيرة كيش.

كفاءة المياه في المناطق الحضرية
في تركيا، تتم خسارة حوالي 50% من المياه في شبكة مياه البلدية عند نقل المياه من المصدر إلى المنازل. ينبغي إصلاح شبكة قنوات المياه التالفة والقديمة أو استبدالها للحد من هذه الخسارة. وبما أنّ الجفاف بات يُشكل ضغوطاتٍ إضافية على ارتفاع احتياجات المياه في المناطق الحضرية، قد تُصبح مشكلة تلبية الطلب على الماء مشكلة حرجة.

يتطلب الحد من الطلب على المياه في المناطق الحضرية، بذل المزيد من الجهود الموحدة لإصلاح تسرب وخسارة المياه على طول خطوط النقل، وتوحيد صنابير المياه، وفصل استخدامات مياه الشرب عن المياه غير المخصصة للشرب، وجمع مياه الصرف السطحي باستخدام تقنيات حصاد المياه في المناطق الحضرية. وخلال سنوات الجفاف في الفترة ما بين عامي 2001 و2004، اعتمدت الحكومة نموذج التسعير الجديد الذي يدمج الحد الأعلى للاستهلاك. أدى أي استهلاك يفوق هذا السقف المحدد إلى تصاعد الرسوم حسب حجم الاستهلاك الإضافي. ولا يزال هذا النموذج قائماً. وخلال فترة الجفاف نفسها، تم ترشيد استهلاك مياه الشرب، وأدخلت إمدادات مقيدة في جميع المدن الرئيسية، بما في ذلك العاصمة طهران.

الوعي والتثقيف

إن رفع مستوى الوعي بشأن محدودية الموارد المائية في تركيا وتشجيع كل شخص وسكان المنازل على القيام بدورهم في توفير المياه هو المفتاح لتأمين مستقبل المياه في تركيا. يجب أن يكون التركيز على الإدارة الموجهة نحو الطلب بدلاً من التركيز على العرض. كما يجب التركيز على الإدارة الموجهة نحو الطلب بدلاً من الإدارة الموجهة نحو العرض. تضمن الإدارة الموجهة نحو الطلب الاستخدام الفعّال للموارد المائية عن طريق الحد من الطلب وتقديم الحوافز المؤسسية والاقتصادية والإدارية لتوفير المياه.

ولت الحكومة أهمية قصوى لإدارة الطلب، ويجري تنفيذ برامج وطنية لرفع مستوى الوعي العام حول تفاقم ندرة المياه، وإشراك الجمهور في اتخاذ تدابير لتوفير المياه. وتشتمل هذه البرامج على بناء القدرات من خلال وسائل الإعلام (التلفزيون والإذاعة الحكومية)، ومبادرات التدريب في المدارس، وتركيب لوحات تثقيفية للعامة في المدن وخطوط المترو بالتعاون مع البلديات، وتطوير تطبيقات الهاتف المحمول، والمقابلات المتكررة مع مسؤولي المياه، وتثقيف الصحفيين حول مفهوم صحافة المياه الجديد.

اقرأ تقارير المياه الكاملة لتركيا وإيران للحصول على تحليل أكثر تفصيلاً لأسباب الجفاف ونقص المياه ، فضلاً عن الحلول الممكنة. نوصي أيضًا بقراءة منشوراتنا حول نهر زاينده رود وندرة المياه في خوزستان.

تقرير المياه في تركيا
تقرير المياه إيران
نهر زاينده رود
ندرة المياه في خوزستان

[1] No: 228, 4 July 2014, Press Release Regarding the Amount of Water That Turkey Releases from the Euphrates River.
[2] FAO, 2017. AQUASTAT Database. AQUASTAT Website. Available at http://www.fao.org/aquastat/statistics/query/index.html
[3] Intergovernmental Panel on Climate Change,2008, Climate Change 2007 Synthesis Repor, Sweden, p. 46-47
[4] Moridi, A., 2017. State of water resources in Iran. International Journal of Hydrology. Available at https://water.fanack.com/
[5] Zekri, S. ed., 2020. Water Policies in MENA Countries (Vol. 23). Springer Nature. Available at https://doi.org/10.1007/978-3-030-29274-4

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles