الصفحة الرئيسية / ملفات خاصة / أزمة المياه في غزة / ما سبب أزمة المياه في قطاع غزة؟

ما سبب أزمة المياه في قطاع غزة؟

water gaza special report children collecting water from public taps
اطفال من رفح يقومون بتعبئة المياه من احد صنابير المياه العامة.Photo Flickr

قائمة المحتويات

الاكتظاظ السكاني
الاستهلاك الجائر للمياه الجوفية
تلوث مصادر المياه
الصراع المستمر مع اسرائيل

المقدمة

إذاً، ما السبب في هذه الأزمة البيئية الكارثية؟ ولمَ لا يتم اتخاذ سوى القليل من الاجراءات لتصحيح الوضع؟ فقد حذر الخبراء، والسلطات المحلية، والمنظمات الدولية منذ عشرات السنين أن الضخ الجائر، والتلوث، وتسرب مياه البحر إلى حوض المياه الجوفية يشكّل تهديداً خطيراً على الصحة العامة والاستدامة البيئية في قطاع غزة.

ففي عام 1997، وصف البنك الدولي الوضع المائي في غزة باعتباره “حالة طوارئ.[1] ” ومع ذلك، بعد ما يقارب العشرون عاماً، ازدادت مستويات الضخ، بالإضافة إلى تفاقم التلوث، وتعرض أجزاء كبيرة من البُنية التحتية للمياه إما للضرر أو التدمير. ولكن، لمَ لم يعد بالإمكان إصلاح الوضع المتدهور لـ”حالة الطوارئ” في غزة؟

تكمن الإجابة في مزيج من العوامل التي تتراكم على ما يبدو في حلقة مُفرغة محتومة من الدمار. توضح الأقسام التالية كيف أنّ عدداً من العناصر المجتمعة- النمو السكاني السريع، والضخ الجائر، وتلوث خزانات المياه الجوفية المحلية، والصراع الدائر مع اسرائيل- دفعت بالإنهيار البطيء لحوض المياه الجوفية الساحلي في غزة.

الاكتظاظ السكاني

water special gaza report a beach in Gaza
شاطىء غزة، 2006. الصورة: Gus

يبلغ عدد سكان قطاع غزة الذي يغطي مساحة 365 كيلو متر مربع فقط على شواطىء شرق البحر الأبيض المتوسط (الشكل 1)، 1,76 مليون نسمة[2] . ويعتبر القطاع أحد أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض، حيث يبلغ المتوسط أكثر من 4,500 نسمة لكل كيلومتر مربع[3]، ويرتفع إلى 20,000 نسمة لكل كيلومتر مربع في المناطق الحضرية[4].

ازداد عدد السكان أكثر من 20 مرة على مدى السنوات الـ65 الماضية، من 80,000 نسمة عام 1948. ويمكن أن يُعزى هذا النمو المتسارع إلى عاملين أساسيين:

معدل المواليد المرتفع: قُدر معدل النمو السكاني في قطاع غزة بحوالي 3,45% عام 2014، مقارنة بـ2,6%في الضفة الغربية. يمتاز سكان القطاع بالشباب، حيث أن حوالي 43% منهم تحت سن الـ14 عاماً.
تدفق أكثر من 197,000 لاجىء منذ قيام دولة اسرائيل عام 1948. واليوم، أكثر من 70% من سكان غزة من اللاجئين.

وبالمضي قُدماً، تُشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان قطاع غزة سيصل إلى 2,1 مليون نسمة عام 2020، مما يدفع متوسط مستويات الكثافة إلى 5,835 نسمة لكل كيلومتر مربع عام 2020 وأكثر من 20,000 نسمة لكل كيلو متر مربع في المناطق الحضرية[5].

الاستهلاك الجائر للمياه الجوفية

تسبب النمو السكاني السريع في قطاع غزة بضغوطات كبيرة على الموارد الطبيعية، وبخاصة مصادر المياه. وتعتمد غزة بشكل كامل تقريباً على المياه الجوفية، إذ تأتي 98% من إمدادات مياه القطاع من الحوض الساحلي (الشكل 2). أما الـ2% المتبقية فيتم شراؤها من شركة المياه الإسرائيلية ميكروت.

The Mountain Aquifer and the Coastal Aquifer in Gaza
شكل (2): الحوض الجوفي الجبلي والحوض الجوفي الساحلي. المصدر: Fanack عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة/ قاعدة بيانات الموارد العالمية- جنيف، 2002.

كما يتم استخدام هذه الأحواض الجوفية بالاشتراك مع اسرائيل ومصر، ولكن في حين تمتلك هذه الدول مصادر بديلة للمياه، يعتمد قطاع غزة بشكلٍ كلي على الحوض الساحلي. ومع ازدياد الطلب على المياه مع ازدياد الكثافة السكانية، تجاوزت معدلات الاستخراج من طبقة المياه الجوفية في غزة تدريجياً معدل التجديد الطبيعي. واليوم، يبلغ متوسط الاستخراج ما بين 170-200 مليون متر مكعب/ سنوياً،[6] أي أعلى بثلاث مرات من العائد المستدام للحوض الجوفي (الكمية التي يمكن استخراجها بشكلٍ آمن) والبالغة 55-57 مليون متر مكعب/ سنوياً (الشكل 3)[7].

Overextraction from the Coastal Aquifer in the Gaza Strip
الشكل (3): الضخ الجائر للحوض الجوفي الساحلي في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن Messerschmid، 2011، الأمم المتحدة/ الاسكوا والمعهد الفدرالي لعلوم الأرض والموارد الطبيعية في ألمانيا (BGR)، 2013؛ سلطة المياه الفلسطينية 2014.

أدى الضخ الجائر من الحوض الساحلي إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية بنسبة 10-20 متر على مدى الأربعين عاماً الماضية (الشكل 4)[8] ، مما سمح بتسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية من البحر الأبيض المتوسط من الغرب ومن المياه الجوفية العميقة في الجزءالجنوب الشرقي لإسرائيل (الشكل 5 و8)[9].

 Decline of groundwater levels in the Gaza Strip
شكل (4): انخفاض مستويات المياه الجوفية في قطاع غزة خلال الفترة ما بين 1967 و2013. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية 2014

تتم مراقبة ملوحة المياه الجوفية عن طريق تقييم تركيز الكلوريد في الآبار في قطاع غزة. ووفقاً لتوجيهات منظمة الصحة العالمية، ينبغي أن تكون مستويات الكلوريد أقل من 250 ملغ/ لتر كي تكون صالحة للاستهلاك البشري. ومع ذلك، فإن حوالي ربع الآبار البلدية فقط في قطاع غزة توافق هذا المعيار. وتختلف تركيزات الكلورايد من 250-600 ملغ/لتر في شمال قطاع غزة وغرب خان يونس، إلى 600-2,000 ملغ/لتر في أماكن أخرى. وعلى طول الساحل، تتجاوز المستويات 2,000 ملغ/لتر ويمكن أن تصل إلى أكثر من 10,000 ملغ/لتر بسبب تسرب مياه البحر (الشكل 5).[10]

Chloride concentration in the Gaza Strip
الشكل (5): تركيزات الكلورايد في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2014.

تلوث مصادر المياه

water specials report gaza alexa thuderstorm
مياه الفيضانات تختلط مع مياه الصرف الصحي الخام في حي الشيخ رضوان في غزة بعد أن ضربت العاصفة الشتوية “إليكسا” قطاع غزة في ديسمبر 2013. الصورة: Karl Schembri/ أوكسفام.

وبالإضافة إلى تسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، فإن الحوض الساحلي ملوث على نحوٍ متزايد أيضاً بمياه الصرف الصحي الخام وغيرها من المياه العادمة غير المعالجة.

وكل يوم، يتسرب حوالي 90 مليون لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئياً إلى المياه الجوفية وتتدفق إلى البحر الأبيض المتوسط، نظراً لعدم وجود مرافق لمعالجة مياه الصرف الصحي تعمل بشكلٍ ملائم[11]. وقد أدى ذلك إلى مستويات عالية من النترات وغيرها من الملوثات في المياه الجوفية، وهو أمر خطير بشكلٍ خاص بالنسبة للرضع والأطفال[12] .

ووفقاً لسلطة المياه الفلسطينية، التي تراقب تراكيز النترات في 211 من الآبار البلدية، 87% من الآبار تحتوي مستويات من النترات تتجاوز حدود منظمة الصحة العالمية البالغة 50 ملغ/لتر، مع تراكيز تصل إلى أكثر من 200 ملغ/لتر في بعض الأماكن (الشكل 6)[13]. من ناحية أخرى، فمن الصعب اكتشاف التلوث بالنترات، ذلك أنه عديم اللون والطعم والرائحة. وهذا يجعل الأمر أكثر خطورة، إذ غالباً ما يواصل الناس استهلاك المياه التي تحتوي مستويات عالية من النترات إلى أن يتم إخبارهم بمخاطرها الصحية (الشكل 6)[14].

Gaza_Water_Fig_06_CS5
كل (6): تراكيز النترات في المياه في قطاع غزة عام 2009. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2011. ملاحظة: المعيار العالمي المقبول للنترات في مياه الشرب هو 50 ملغ/ لتر.

وبالنظر إلى هذه الأمور مجتمعة، يجعل التلوث بالنترات والكلورايد جميع مياه قطاع غزة تقريباً غير صالحة للاستهلاك البشري. ووفقاً لسلطة المياه الفلسطينية، ما نسبته أقل من 4% من إمدادات المياه المنزلية في عام 2014 صالحة للاستهلاك البشري (الشكل 7)[15].

Gaza_water_Fig_07_CS5
شكل (7): تراكيز النترات والكلورايد في المياه الجوفية في قطاع غزة وكمية المياه الملائمة للاستهلاك البشري. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2014.

حذرت السُلطات المحلية، والمنظمات الدولية، وخبراء المياه منذ سنوات، أنه في حال عدم اتخاذ أي تدابير، “سينهار” خزان المياه الجوفية. وهذا يعني أن جميع المياه الجوفية ستصبح مالحة وملوثة بالكامل، وبالتالي تبرز الحاجة إلى توريد المياه من مصادر مختلفة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فقدان حوالي 55 مليون متر مكعب/ السنة من المياه الصالحة للاستخدام. ووفقاً لتقرير عام 2011، فإن تكلفة إعادة مثل هذا الحجم ستصل إلى ما يقرب الـ300 مليون دولار، بتكاليف جارية لا تقل عن 0,55 دولار لكل متر مكعب من المياه العذبة من خلال تحلية المياه لاستبدال الموارد الملوثة.

Gaza_Water_Fig_08_CS5
شكل (8): مصادر ملوثات المياه الجوفية في قطاع غزة. المصدر: Fanack عن سلطة المياه الفلسطينية، 2011.

الصراع المستمر مع اسرائيل

water specials report gaza beit hanun in ruins after israeli attacck august 2014
أنقاض في بيت حانون، قطاع غزة، أغسطس 2014. الصورة: Tselem’B

تفاقم الوضع في غزة جراء الأضرار الناجمة عن الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية المتكررة (الرصاص المصبوب 2008-2009، عامود السحاب 2012، عملية الجرف الصامد 2014)، والتي أسفرت عن أضرار واسعة النطاق على البُنية التحتية لإنتاج المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. وعلاوة على ذلك، يمنع الحصار الاسرائيلي المستمر منذ عام 2007 استيراد مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار، وغيرها من المواد اللازمة لصيانة وتشغيل أنظمة المياه والمياه العادمة ومعالجة المياه بمستويات مقبولة. حتى أن المواد البسيطة، مثل أغشية فلاتر المياه وتنقية المياه من الكلور غالباً ما تكون غير متوفرة.

وقبل عامين من التوغل العسكري الاسرائيلي عام 2014 في قطاع غزة، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً لتقييم الأوضاع المعيشية في غزة عام 2020. وذكرت الدراسة أن عدد سكان غزة سيرتفع من 1,6 مليون نسمة عام 2011 إلى 2,1 مليون نسمة عام 2020، وخلصت الدراسة إلى ضرورة بذل “جهود جبارة” في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي، إذا ما أرادت غزة أن تكون مكاناً صالحاً للعيش عام 2020.[16] وبدلاً من ذلك، تفاقم الوضع بشكلٍ أكبر.

وبعد عملية الجرف الصامد، التي استمرت من شهر يوليو حتى أغسطس 2014، أفادت الأمم المتحدة أن الأضرار التي لحقت بالبُنية التحتية المتعثرة بالفعل تُقدر بـ34 مليون دولار، بما في ذلك تعطل وتدمير 20-30% من شبكات المياه والصرف الصحي، و30-50% من أحواض التخزين وخزانات المياه، و220 بئر زراعي والأضرار التي لحقت بمحطة معالجة مياه الصرف الصحي في دير البلح.

وبعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار، لم تبدأ عميات إعادة الإعمار في العديد من المناطق بسبب نقص التمويل والمواد، وبالتالي يظل نقص المياه مصدر قلقٍ يومي لغالبية الغزيين.

ووفقاً لتقرير صدر عن الأمم المتحدة لعام 2015، أدى الصراع المستمر إلى تأخر التنمية وانتشار الفقر في غزة.

“ثلاث عمليات عسكرية اسرائيلية في السنوات الست الماضية، بالإضافة إلى ثماني سنوات من الحصار الاقتصادي، أدى إلى تدمير البُنية الأساسية الواهنة بالفعل في غزة، وحطم قاعدتها الانتاجية، ولم يترك أي وقت لإعادة إعمار هادفة أو انتعاش اقتصادي، وأدى إلى افقار السكان الفلسطينيين في غزة، مما جعل الرفاه الاقتصادي أسوء مما كان عليه في العقدين السابقين.”[17]

ويُشير التقرير نفسه إلى أن الإصلاح على المدى الطويل للأضرار المتراكمة واضمحلال البُنية التحتية للمياه ومياه الصرف الصحي سيتطلب تمويلاً بحدود 620 مليون دولار.


[1] Messerschmid, C., 2011. Water In Gaza: Problems and Prospects. Working Paper Series IALIIS-BZU-WPS 2011/19 (ENG) CPE Module. Ibrahim Abu-Lughod Institute of International Studies (IALIIS) – Birzeit University.
[2] www.pcbs.gov.ps. Figure for 2014.
[3] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[4] UN OCHA oPt, 2014. Strategic Response Plan, Fact Sheet, 5 December 2014.
[5] Ibid.
[6] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014; Palestinian Water Authority, 2011. The Gaza Emergency Technical Assistance Programme (GETAP) on Water Supply to the Gaza Strip Component 1 – The Comparative Study of Options for an Additional Supply of Water for the Gaza Strip (CSO-G); Palestinian Water Authority, 2014a. National Water Strategy for Palestine, Toward Building a Palestinian State from Water Perspective, Draft Copy.
[7] PWA, 2011; PWA 2014; World Bank, 2009. West Bank and Gaza Assessment of Restrictions on Palestinian Water Sector Development.
[8] PWA, 2014a.
[9] PWA, 2011.
[10] PWA 2014.
[11] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[12] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[13] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014.
[14] UNEP, 2009. Environmental assessment of the Gaza Strip following the escalation of hostilities in December 2008 – January 2009.
[15] Palestinian Water Authority, 2014. Water Resources Directorate, Gaza Water Resources Status Report, 2013/2014, December 2014.
[16] UN, 2012. Gaza in 2020. A liveable place? A report by the United Nations Country Team in the occupied Palestinian territory, August 2012.
[17] UNCTAD, 2015. Report on UNCTAD assistance to the Palestinian people: Developments in the economy of the Occupied Palestinian Territory, Geneva, September 2015.