الصفحة الرئيسية / ملفات خاصة / نهر العاصي وسد الصداقة بين تركيا وسوريا / العلاقات التركية- السورية: ما بين الصراع والتعاون

العلاقات التركية- السورية: ما بين الصراع والتعاون

نهر العاصي العلاقات التركية- السورية
تأثرت العلاقات بين تركيا وسوريا طوال حقبة الحرب الباردة وحتى تسعينيات القرن الماضي. أصبحت قضية المياه جوهر العلاقات الخارجية مرةً أخرى عندما بدأ كلا البلدين في استخدام مياه حوض نهري دجلة والفرات في ستينيات القرن الماضي وشرعوا ببناء مشاريع للري والطاقة. وعندما ركزت تركيا، دولة المنبع في الحوض، على استخدام الموارد المائية، أثار هذا المخاوف في سوريا والدول العربية حيث اعتبر معارضاً لمصالحهم الخاصة وشعورهم بالسيادة

خلاف هاتاي

أطلق أتاتورك اسم هاتاي على منطقة إسكندرون- هاتاي عام 1936. كان يشار إليها باسم “سنجق” في الوثائق التركية والدولية خلال فترة الحكم العثماني. سُلمت المنطقة إلى فرنسا من قِبل البريطانيين كجزءٍ من هدنة مودروس التي وقعت عام 1918. رُسمت الحدود بين تركيا وسوريا وسنجق الاسكندرون في المعاهدة الفرنسية-التركية لعام 1921، واعتمدت أيضاً في معاهدة لوزان؛وهي معاهدة السلام التي وقعت في 24 يوليو 1923، بعد نهاية حرب الاستقلال التركية. وبعد توقيع معاهدة لوزان، دخل الانتداب الفرنسي على سوريا ولواء الإسكندرون حيز التنفيذ من خلال عصبة الأمم. وبينما كانت فرنسا، السلطة الانتدابية، تقوم بتقسيم سوريا ولبنان إلى أربعة أجزاء، تم النأي بلواء اسكندرون عن حلب باعتباره سنجقاً مستقلاً. [1]

في عام 1926، تم توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين فرنسا وتركيا. أدى هذا إلى تحسين العلاقات بين تركيا وفرنسا وكذلك بين تركيا والأتراك الذين يعيشون في السنجق. وفي 9 سبتمبر 1936، وقعت فرنسا إتفاقيةً مبدئية مع سوريا، والتي أنهت الانتداب الفرنسي على سوريا.  ووفقاً لذلك، تنازلت فرنسا عن حقوقها والتزاماتها بشأن الاتفاقيات والعقود والتعهدات الدولية المتعلقة بسوريا. أثر هذا أيضاً على وضع السنجق. ردت تركيا بغضب، مشيرةً إلى أنه كان ينبغي أن يضم الاتفاق ويتم التوقيع عليه من قِبل الشعب في السنجق. في المقابل، اعترضت فرنسا، ونُقل النزاع إلى طاولة عصبة الأمم. ووفقاً لتقرير ساندلر الذي صدر لاحقاً عن مقرر مجلس عصبة الأمم، عرض أن يتم تشكيل تحالف بخصوص السنجق بين تركيا وسوريا، وأن تقوم كل ولاية بفصل أصولها بجميع القضايا باستثناء تلك المتعلقة بالشؤون الخارجية، والجمارك، والعملة الموحدة. إلا أن فرنسا لم تقبل بهذا العرض. أعدّت اللجنة التي تم تشكيلها وفقاً للتقرير الوضع السياسي للسنجق ودستوره وتمت المصادقة على النصوص من قِبل مجلس عصبة الأمم في 29 مايو 1937. [2]

وقعت تركيا وفرنسا اتفاقيتين إضافيتين عام 1937. وقد غطت هاتين قضايا الاتفاقيات الدولية التي شكلت الوجود المستقل لسنجق الإسكندرون؛ وضمان السلامة الإقليمية للسنجق؛ وتأمين الحدود بين تركيا وسوريا. [3]

في 3 يوليو 1938، وقعت فرنسا وتركيا اتفاقاً عسكرياً. أثر هذا مجدداً على السنجق، لأنه وفقاً للاتفاقية، ستوفر كل من تركيا وفرنسا السلامة الإقليمية والوضع السياسي للسنجق. وخلال هذه العملية، تم توقيع اتفاقية صداقة جديدة بين تركيا وفرنسا وتم تجديد سريان مفعول إتفاقية أنقرة لعام 1921. وفي الانتخابات التي عُقدت في 22 يوليو 1938، أصبح طيفور سوكمن رئيساً للدولة في مجلس اللواء، الذي افتتح في 2 سبتمبر 1938، وتم تغيير اسم السنجق إلى هاتاي. [4]

في عام 1939، مع دخول الحرب العالمية الثانية، بحثت المملكة المتحدة عن حليفٍ لها في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد شكلّت تحالفاً مع تركيا، ونشرت البيان المشترك. ومع ذلك، أرادت تركيا فعل ذات الشيء مع فرنسا، وأعربت عن رغبتها في دمج هاتاي إلى تركيا. وفي 23 مايو 1939، اتخذت الخطوة الثانية في التحالف الثلاثي بنشر الإعلان المشترك بين تركيا وفرنسا. وفي اليوم نفسه، وقعّت تركيا وفرنسا على اتفاق الحل المطلق للمشاكل الإقليمية بين تركيا وسوريا. وفي هذه الإتفاقية، أدرجت هاتاي ضمن الحدود التركية. وفي 29 يونيو 1939، وافق شعب هاتاي بالإجماع على هذا الدمج، وفي 7 يوليو 1939، تم تأسيس محافظة هاتاي واكتملت عملية الدمج. ومع ذلك، رفضت سوريا قبول هذا الدمج، وأصرّت على أن هاتاي تقع ضمن حدودها.احتجاجاً على ذلك، أرسلت برقيةً إلى كلٍ من حكومة فرنسا وعصبة الأمم. [5]

ولفترةٍ طويلة بعد ذلك، اعتبرت سوريا محافظة هاتاي من أراضيها ونهر العاصي باعتباره نهراً وطنياً عوضاً عن كونه نهراً عابراً للحدود. استمر هذا حتى العقد 2000.

فترة الحرب الباردة

تأثرت العلاقات بين تركيا وسوريا طوال حقبة الحرب الباردة وحتى تسعينيات القرن الماضي. أصبحت قضية المياه جوهر العلاقات الخارجية مرةً أخرى عندما بدأ كلا البلدين في استخدام مياه حوض نهري دجلة والفرات في ستينيات القرن الماضي وشرعوا ببناء مشاريع للري والطاقة. وعندما ركزت تركيا، دولة المنبع في الحوض، على استخدام الموارد المائية، أثار هذا المخاوف في سوريا والدول العربية حيث اعتبر معارضاً لمصالحهم الخاصة وشعورهم بالسيادة. [6] توترت العلاقات أثناء بناء سدود كيبان، وكاراكايا وأتاتورك على نهر الفرات. بدأت سوريا بلعب أوراقها من خلال دعم حزب العمال الكردستاني. وفي عام 1993، تصاعدت التوترات بشكلٍ أكبر عندما شرعت تركيا في مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) الذي استمر بناؤه لعقودٍ طويلة. [7] بدايةً، كانت تأمل تركيا بتمويل المشروع من القروض الدولية. ولكن، رُفضت طلبات القروض بعد ضغوطاتٍ من سوريا والعراق واحتجاجاتٍ من الدول العربية الأخرى. ونتيجةً لذلك، اضطرت تركيا إلى تمويل المشروع من ميزانيتها الوطنية. وفي عام 1987، زار رئيس الوزراء التركي تورغوت أوزال سوريا. خلال الزيارة، طالبت تركيا سوريا بوقف دعمها لحزب العمال الكردستاني وطالبت سوريا تركيا توقيع اتفاقٍ بشأن استخدام مياه الفرات. أعدّت تركيا بروتوكولاً تعهدت فيه بنقل حوالي 500 متر مكعب في الثانية من المياه إلى سوريا من الحدود التركية- السورية.ووقع البلدان على البروتوكول. [8] وعلاوة على ذلك، وقع البلدان على بروتوكول أمنيّ يُشير إلى أن أياً من البلدين لن يدعم أياً من الحركات المناهضة لتركيا أو الحركات المناهضة لسوريا داخل حدودهم. ولكن، على الرغم من هذا البروتوكول،فقد واصل حزب العمال الكردستاني نشاطاته داخل سوريا. [9]

خلال فترة الحرب الباردة، أثرت المخاوف حول المياه والأمن على سياسات كلا البلدين. وبما أن الزراعة المروية تعتبر جزءاً هاماً من التنمية، فلم تكن قضية المياه، على وجه الخصوص، مجرد مسألة تقنية، إلا أنها كانت مرتبطة بفكرة الهوية، والاكتفاء الذاتي، والاستقلال، والقومية العربية. اعتبرت تركيا مشاريع تحسين المياه التي شرعت بها في حوض دجلة- الفرات باعتبارها استثماراً مهماً لمنطقة جنوب شرق الأناضول حيث كان الازدهار منخفضاً وتوزيعه غير متكافىء. أصبح الأمن أحد أهم شؤون السياسات الداخلية لكلا البلدين، ليلعب حزب العمال الكردستاني دوراً بارزاً في العلاقات التركية- السورية. [10]

تأثرت هذه العلاقات بالتغييرات على المستويين العالمي والإقليمي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. كما ترك انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي كان حليفاً قوياً لسوريا، سوريا في موقفٍ ضعيفٍ للغاية.

وفي منتصف التسعينيات، وردت تقارير تُفيد بانتقال حزب العمال الكردستاني إلى هاتاي. أوشكت الحرب على الاندلاع بين تركيا وسوريا عندما هددت تركيا بشن عملٍ عسكري في حال واصلت سوريا دعمها لحزب العمال الكردستاني. أدى هذا في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاق أضنة عام 1998، الذي نص على أن سوريا لن تسمح “بأي نشاطٍ  ينبع من أراضيها والذي من شأنه تهديد أمن واستقرار تركيا.” كما اعترفت سوريا بحزب العمال الكردستاني باعتباره منظمةً إرهابية، وحظرت تزويد حزب العمال الكردستاني بالأسلحة، والمواد اللوجستية، ودعمه مالياً على أراضيها، وطردت عبد الله أوجلان، أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العمال الكردستاني، الذي استضافته دمشق لأكثر من عشر سنوات. [11]

وفاة حافظ الأسد

بعد توقيع اتفاق أضنة، امتدت المبادرات لتحسين العلاقات المبنية على الثقة المتبادلة حتى العقد الألفين. فقد كان حضور أحمد نجدت سيزر، الرئيس التركي آنذاك، لجنازة الرئيس السوري حافظ الأسد في 13 يوليو 2000، رمزاً لعلاقاتٍ أكثر دفئاً بين البلدين. كما كانت الزيارة الرسمية لنائب رئيس الوزراء السوري عبدالحليم خدام لأنقرة عام 2000 نقطة تحوّلٍ نحو نهجٍ إيجابي وغاية في الأهمية.

سمحت أيضاً الثقة التي تطورت بين البلدين بإرساء علاقاتٍ اقتصادية أوثق. ففي 22 ديسمبر 2004، وقعت تركيا وسوريا أول اتفاقية للتجارة الحرة. وكجزء من الاتفاق، حددت الجارتان حدودها وقبلت سوريا رسمياً  باعتبار هاتاي جزءاً من تركيا.[12]

وفي الوقت نفسه، عرض رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، على سوريا تقديم الدعم الفني لمشروعٍ مُقترح لسدٍ مشترك على نهر العاصي يهدف لري 10 آلاف هكتار في سوريا و20 ألف هكتار في تركيا. [13]

عززت الزيارات المتعددة على أعلى المستويات العلاقات بين البلدين. كانت أحد أبرزها زيارة خليفة حافظ الأسد، بشار الأسد، إلى تركيا عام 2004، والتي تعتبر أول زيارةٍ لرئيسٍ سوري لتركيا منذ استقلال سوريا عام 1946. فسرّت الزيارة باعتبارها بداية مرحلةٍ جديدة من التوازن والاستقرار في المنطقة. [14]

قررت تركيا وسوريا ترتيب لقاءاتٍ في إطار مجلس التعاون الاستراتيجي عالي المستوى بعد 16 سبتمبر 2009. وخلال الاجتماع الوزاري الأول التركي-السوري لمجلس التعاون الاستراتيجي الرفيع المستوى، الذي عقد في دمشق في 22-23 ديسمبر عام 2009، تم توقيع ما مجموعه 50 مذكرة تفاهم واتفاق.[15]

[1] Oran, B. (ed.), 2001. Türk Dış Politikası: Kurtuluş Savaşından Bugüne Olgular, Belgeler, Yorumlar, Cilt 1: 1919-1980. İletişim Yayınları, İstanbul.
[2] Ibid.
[3] Ibid.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] Altunışık, M.B., Tür Ö., 2006, ‘From Distant Neighbours to Partners? Changing Syria-Turkish Relations’. Security Dialogue, SAGE Publications, vol. 37, no. 2.
[7] Olson, R., 1995, ‘Turkey-Syria Relations Since the Gulf War: Kurds and Water. Journal of South Asian and Middle Eastern Studies, vol. XIX, no. 1 (fall).
[8] Olson, R., 1995. ‘Turkey-Syria Relations Since the Gulf War: Kurds and Water’. Journal of South Asian and Middle Eastern Studies, vol. XIX, no. 1 (fall).
[9] Ibid.
[10] Ibid.
[11] Larrabee, F.S., 2007. ’Turkey Rediscovers the Middle East’. Foreign Affairs, July/August.
[12] Kibaroğlu, A. et al., 2005. Cooperation on Turkey’s Transboundary Waters. Adelphi Research and the German Federal Ministry for Environment, Nature Conservation and Nuclear Safety.
[13] Ibid.
[14] Larrabee, F. S., 2007. ‘Turkey Rediscovers the Middle East’. Foreign Affairs, July/August.
[15] Ayhan, V., 2009. ‘Türkiye-Suriye İlişkilerinde Yeni bir Dönem: Yüksek Düzeyli Stratejik İşbirliği Konseyi’. Ortadoğu Analiz, vilt 1, sayı 11, p. 27. Turkish Republic Ministry of Interior, Press Briefing, no: 2009/107.