الصفحة الرئيسية / إيران / تحديات المياه في إيران

تحديات المياه في إيران

تحديات المياه في إيران
الصورة رقم (1): بركة لتجميع المياه ، جراش، إيران، (المصدر :أبو الحسن الحسيني)

ستشكل إمدادات المياه و الأمن الغذائي تحدياً كبيراً في السنوات المقبلة، و التي يُشير إليها العديد من المسؤولين الحكوميين باعتبارها قضية أمن بشري. فقد أدى كل من الوضع المناخي الطبيعي في البلاد و سياسات الحكومة في إدارة مواردها المائية المحدودة على مدى العقود القليلة الماضية، إلى تفاقم هذا التحدي.

العوامل الناجمة عن تغير المناخ

تقع إيران داخل الحزام الجاف من العالم، حيث يبلغ هطول الأمطار السنوي 250 مم أو ثلث المتوسط العالمي. و في العقد الماضي، كان هطول الأمطار الفعلي أقل من هذا المعدل الضئيل في الأصل . كما أن توزيع هطول الأمطار غير متكافىء في جميع أنحاء البلاد، إذ يقع أقل هطول في أكثر المناطق كثافةً سكانية (الخريطة رقم 1). و في السنوات الخمسين الماضية، عانت إيران من عشر فترات جفاف شديدة وطويلة، كان آخرها في الفترة ما بين عام 2001 و 2004، مما هدد بشكلٍ ملحوظ وفرة المياه في جميع القطاعات. و من المتوقع أن تغير المناخ سيزيد من خطر الجفاف في بعض مناطق البلاد و يتسبب بفيضانات في مناطق أخرى.

تحديات المياه في إيران هطول الأمطار خريطة

خريطة رقم (1): توزيع هطول الأمطار في جميع أنحاء المحافظات الايرانية الـ31. تُشير الأرقام إلىعينة مختارة من السكان بملايين من الناس، ( المصدر : نيلوفار صديقي).

العوامل الناجمة عن السياسات الإدارية

منذ ثمانينات القرن الماضي و إدخال السياسة الحكومية لتصبح البلاد مكتفية ذاتياً في إنتاج القمح، شرعت الحكومة بتنفيذ استثمارات ضخمة لبناء السدود على الأنهار الرئيسية و توسيع مساحة الأراضي المزروعة. و نتيجةً لذلك، تم تطوير العديد من مشاريع الزراعة المروية على نطاقٍ واسع، و بناء السدود على أنظمة الأنهار الرئيسية. و في عام 2004، أعلنت إيران أنها و لأول مرة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، أصبحت ذات اكتفاء ذاتي في إنتاج القمح. [1] و على الرغم من أنّ هذه السياسة جلبت مزيداً من الاستقرار السياسي، إلا أنه كان لها تأثير لا رجعة فيه على استدامة الموارد المائية المتجددة في البلاد و التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

تمثلت العاقبة الأكثر أهمية لهذه السياسة في الأفراط في استغلال موارد المياه الجوفية و السطحية لزيادة الأراضي المزروعة. فقد كان غالباً ما يتم تحويل المياه من الأنهار دون الأخذ بعين الإعتبار الحد الأدنى من الحاجة البيئية. وقد عرضت هذه المياه المحوّلة بسعر مخفض للمزارعين في مقابل جزء صغير من مبيعات منتجاتهم الزراعية. كما قدمت الحكومة الأسمدة و المبيدات الحشرية المدعومة لتحسين المحاصيل الزراعية، مما تسبب في تلوث التربة و المياه على نطاق واسع. و علاوة على ذلك، خلال العقود الثلاثة من عام 1980 إلى عام 2010، ارتفع عدد التراخيص الصادرة لحفر الآبار بشكلٍ كبير، مما أدى إلى الإفراط في استغلال موارد المياه الجوفية للأغراض الزراعية، و جعل الزراعة تعتمد اعتماداً كبيراً على المياه الجوفية. و حتى اليوم، يواصل المزارعون حفر الآبار غير القانونية، و التي تمثل ما نسبته 40% من جميع الآبار في البلاد.[2]

ومع ذلك، يمكن تلخيص التحديات الأساسية على النحو التالي:

أ) انخفاض كفاءة استخدام المياه الزراعية

يتمثل التحدي الأكبر في قطاع المياه في إيران في انخفاض كفاءة استخدام المياه من قِبل قطاع الزراعة، المستهلك الأكبر . و تمثل الزراعة 10% فقط من الناتج المحلي الإجمالي إلا أنها تستهلك أكثر من 92% من المياه في البلاد.[3] يتألف نمط زراعة المحاصيل غالباً من المحاصيل ذات معدلات استهلاك كبيرة للمياه، كما أن طريقة الري الأكثر شيوعاً هي الري بالقنوات، التي تنطوي على معدلات تبخر و خسائر تسرّب مرتفعة. و علاوة على ذلك، يلوث استخدام المواد الكيميائية (الأسمدة والمبيدات) كلاً من التربة و المياه، مما يجعل من الصعب إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في القطاعات الأخرى، و تشكل تهديداً على الصحة و البيئة.كما أن انخفاض رسوم المياه الزراعية تُسهم في إهمال استخدام المياه من قِبل المزارعين و خسائر كبيرة بالمياه. فالقطاع الزراعي مسؤولٌ عن 19,2% [4] من الوظائف في إيران، الأمر الذي يسلط الضوء على تعقيد تنفيذ أي خطة قصيرة الأجل لخفض توزيع المياه في هذا القطاع.

إن حالة بحيرة أورميا تضرب مثلاً على جميع هذه التحديات. فقد ساهم الإفراط في بناء السدود على الأنهار المغذية للبحيرة، وت حويل مياه البحيرة للزراعة، و انخفاض كفاءة الري و الاعتماد الكبير للمزراعين الذين يعيشون على الزراعة إلى جانب فترات الجفاف الأخيرة، في حصول انكماشٍ حاد إلى أقل من نصف حجم البحيرة في سبعينيات القرن الماضي. أثر هذا الإنكماش غير الطبيعي، بشكلٍ كبير، على الاقتصاد الإقليمي و على نوعية الهواء، و الزراعة، و الأهم من ذلك، على نوعية حياة الناس.

بحيرة أورميا تحديات المياه في إيران
الصورة رقم (1) : صور لبحيرة أورميا في 13 أغسطس 2011 (أعلى)، و25 أغسطس 1998 (الأسفل)، (المصدر: مرصد الأرض التابع لناسا، فليكر).

ب) تدهور منسوب المياه الجوفية وانخساف الأرض
تنخفض مستويات المياه الجوفية بمعدل 2-4 متر سنوياً، ذلك أن طبقات المياه الجوفية التي تُعاد تغذيتها ببطء لم تعد قادرةً على مواكبة العدد المتزايد من مستخدمي المياه و المشتركين. و قد تسبب هذا التدهور في منسوب المياه بانخسافٍ، لم يسبق له مثيل، في الأرض بمعدل 2-30 سم في السهول المختلفة في البلاد إلى جانب تشكل الآبار الطبيعية. تساهم جميع هذه العوامل في حصول تصحرٍ هائل.

لإستعادة هذه الخسارة الهائلة في القدرة المتجددة للمياه الجوفية، ينبغي تنفيذ خطة شاملة لإدارة الطلب لخفض الاستهلاك بمعدل 11-12 مليار متر مكعب سنوياً. يحدث أكثر الاستغلال المفرط في الأحواض المركزية حيث تتوفر كميات أقل من المياه السطحية. و نظراً لاستدامة نظام القنوات القديم لاستخراج المياه الجوفية، فإن الأهمية المحتملة للقنوات في المساعدة على حل التحديات الأمنية المائية في إيران، أمرٌ لا شك فيه. تنقل القنوات المياه الجوفية، مما يقلل التبخر، و تعتمد فحسب على الجاذبية الطبيعية، بدلاً من المصادر الخارجية للطاقة، لنقل المياه.

ج) التلوث
يتم دعم المبيدات الحشرية والأسمدة من قِبل الحكومة، وبالتالي تُستخدم على نطاقٍ واسع في مجال الزراعة. تجرف مياه الري هذه المواد الكيميائية إلى المياه الجوفية والصرف السطحي الزراعي. وبالتالي، تتلوث مياه الصرف الزراعي، بشكلٍ كبير، بالمواد الكيميائية التي تحتوي بانتظام على المعادن الثقيلة. وعلاوة على ذلك، تم العثور على آثار من النترات في كثير من شبكات الصرف الصحي في المناطق الحضرية وكذلك في النفايات الصناعية السائلة. هذا التلوث يجعل من إعادة استخدام المياه قضيةً مثيرةً للجدل، كما تُثير أيضاً تهديداتٍ محتملة على البيئة وصحة الإنسان.

د) ممانعة مشاركة المجتمع في معالجة مشاكل المياه
مع إنهيار نظام إدارة المياه التقليدي و الأكثر استدامةً في إيران، فقدت العديد من المجتمعات المحلية الشعور بالمسؤولية والمراعاة تجاه حفظ و إدارة الموارد المائية التي كانوا يملكونها يوماً ما. و يتضح هذا من خلال الاستخدام اللامبالي للمياه من قِبل المزارعين وانخفاض كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي. و مع ذلك، فإن الوضع مختلف في معظم المدن الكبيرة، بما في ذلك طهران و أصفهان و مشهد. هنا، مستوى الوعي العام مرتفع و أبدى العامة استعدادهم للمشاركة في تحسين كفاءة استخدام المياه.

ه) بيانات المياه التي لا يعول عليها
الخطوة الأولى في أي خطة ناجحة لإدارة المياه هي الحصول على بيانات موثوقة ودقيقة عن المياه.وفي إيران، يتم جمع البيانات المتعلقة بالمياه الجوفية (الآبار و الينابيع) كل خمس سنوات من خلال الزيارات الميدانية و تحليل سلسلة البيانات. كما تتم مراقبة مستويات المياه في الأنهار على أساسٍ يومي، و تقاس مرتين في الشهر. و مع ذلك، فإن معدات الرصد (بما في ذلك أجهزة القياس المثبتة والعدادات) ليست كافية،كما أن البيانات من مصادر أخرى، مثل صور الأقمار الصناعية، غير متوفرة نتيجةٍ للعقوبات المفروضة على إيران، كوسيلة للمقارنة و التحقق من البيانات على أرض الواقع. و في هذا الصدد، فإن البيانات التي تقدمها المكاتب الحكومية المتعددة كثيراً ما تختلف بشكلٍ ملحوظ، مما يعوق استجابة موحدة لموارد المياه من قبل الجهات المختصة.

و) الحلول المتسرعة
في سعيها لتحقيق الأمن المائي، تدرس الحكومة حالياً إيجاد حلولٍ بديلة لارتفاع الطلب على المياه. واحدة من البدائل التي غالباً ما يُشار إليها من قِبل السُلطات الحكومية هي نقل المياه بين الأحواض، حيث يتم جلب المياه من أحواض الأنهار خارج البلاد، مثل طاجيكستان على سبيل المثال، أو نقل مياه البحر المحلاة من الخليج الفارسي و بحر قزوين. وعلى الرغم من أنّ هذه المخططات قد توفر علاجاً مؤقتاً، إلا أنها ستسبب على المدى الطويل مضاعفاتٍ إجتماعية و بيئية. و في الوقت نفسه، لا تعالج مثل هذه الحلول المتسرعة عدم الكفاءة في استخدام المياه. فمن خلال تحسين كفاءة استخدام المياه، و بخاصة في المجالات الزراعية، يمكن استخدام المياه الموفرة إلى حدٍ كبير بدلاً من نقل المياه التي تعرضها هذه الحلول.

الحد من استهلاك المياه

أولت الحكومة أهمية قصوى لإدارة الطلب، و يجري تنفيذ برامج وطنية لرفع مستوى الوعي العام حول تفاقم ندرة المياه، و إشراك الجمهور في اتخاذ تدابير لتوفير المياه. و تشتمل هذه البرامج على بناء القدرات من خلال وسائل الإعلام (التلفزيون و الإذاعة الحكومية)، و مبادرات التدريب في المدارس، و تركيب لوحات تثقيفية للعامة في المدن و خطوط المترو بالتعاون مع البلديات، و تطوير تطبيقات الهاتف المحمول، و المقابلات المتكررة مع مسؤولي المياه، و تثقيف الصحفيين حول مفهوم صحافة المياه الجديد.

كما يتم توفير حوافز اقتصادية، مثل القروض منخفضة الفائدة، للمزارعين لتركيب أنظمة الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط أو الري بالرش، التي تعتبر أفضل كفاءة في استخدام المياه. و تستخدم أيضاً ممارسات زراعية جديدة، مثل الزراعة المائية، لإنتاج البيوت الزجاجية واسعة النطاق في بعض المدن، بما في ذلك طهران، و هشتغرد، و كرج، و جزيرة كيش، التي تستهلك كميات أقل من المياه. و في السنوات الأخيرة، و بمساعدة وكالات الأمم المتحدة المختلفة، أدخلت الممارسات الزراعية المستدامة في مختلف أحواض الأنهار، بما في ذلك حوض بحيرة أورميا، و التي أدت إلى تحسين استخدام المياه. و يجري تنفيذ المبادرات الصغيرة في بعض المناطق، بهدف مطابقة الأنماط الزراعية مع المياه المتاحة. و مع ذلك، واحدة من أكبر التحديات التي لا تزال دون حل هي عدم وجود مراقبة سليمة للمياه الجوفية، و خاصة أنّ العدادات غير كافية لمراقبة عمليات الاستخراج من الآبار غير القانونية للاستخدام الزراعي.

و للحد من الطلب على المياه في المناطق الحضرية، لا بد من بذل المزيد من الجهود الموحدة لإصلاح تسرب و خسارة المياه على طول خطوط النقل، و توحيد صنابير المياه، وفصل استخدامات مياه الشرب عن المياه غير المخصصة للشرب، و جمع مياه الصرف السطحي باستخدام تقنيات حصاد المياه في المناطق الحضرية. و خلال سنوات الجفاف في الفترة ما بين عامي 2001 و 2004، اعتمدت الحكومة نموذج التسعير الجديد الذي يدمج الحد الأعلى للاستهلاك. أدى أي استهلاك يفوق هذا السقف المحدد إلى تصاعد الرسوم حسب حجم الاستهلاك الإضافي. و لا يزال هذا النموذج قائماً. و خلال فترة الجفاف نفسها، تم ترشيد استهلاك مياه الشرب، و أدخلت إمدادات مقيدة في جميع المدن الرئيسية، بما في ذلك العاصمة طهران.

[1] Iran Times. Available at www.iran-times.com/islamic-republic-is-again-self-sufficient-in-wheat/.
[2] BK, 2015. ‘One well per every 104 Iranians’, Deutsche Welle, Farsi service.
[3] AQUASTAT, 2008. Country Fact Sheet: Iran. FAO’s global information system on water and agriculture. Available at www.fao.org/nr/water/aquastat/countries_regions/irn/index.stm.
[4] Statistical Centre of Iran, 2015.