الصفحة الرئيسية / تحديات كبيرة يواجهها سكان قطاع غزة للحصول على المياه

تحديات كبيرة يواجهها سكان قطاع غزة للحصول على المياه

تشكّل أزمة المياه في  قطاع غزة -بوجود ما نسبته 3,8% فقط من المياه الصالحة للإستهلاك البشري- عبئاً ثقيلاً على سكان القطاع البالغ عددهم 1,7 مليون نسمة.

يُعتبر قطاع غزة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، حيث يُقدر وجود 4,500 نسمة لكل كيلومتر مربع. وقد تضاعف عدد السكان أكثر من 20 مرة منذ عام 1948، ولم يعد الحوض الساحلي -حوض المياه الجوفية ومصدر الشرب الوحيد للقطاع- يلبي احتياجات الـ1,7 مليون نسمة من سكان القطاع.

في الوقت الحالي يتم استهلاك أكثر من ثلاثة أضعاف معدل الإستدامة (معدل التجدد الطبيعي) للحوض الساحلي. أي بعبارة أخرى، يمكن لحوض المياه الجوفي الساحلي أن يُنتج على نحوٍ مستدام 55 مليون متر مكعب/ السنة من المياه و لكن في الواقع تصل معدلات الإستخراج سنوياً إلى أكثر من 170 مليون متر مكعب/ السنة.

اضافة الى ان تسرب مياه البحر إلى حوض المياه الجوفية هذا ادى الى ارتفاع نسبة الملوحه في مياه الشرب التي قد تم ضخها بالاصل من هذا الحوض (مصدر المياه الوحيد في غزة كما ذكر سابقا) واصبحت هذه المياه بالتالي غير صالحه للشرب.

و مما يزيد هذه المشاكل تعقيدا عدم وجود محطات كافية ومؤهّله لمعالجة مياه الصرف الصحي في القطاع. ادى ذلك الى تسرب حوالي 90 مليون لتر يوميا من المياه العادمه غير المعالجة أو المعالجة جزئيا إلى حوض المياه الجوفية وتدفقها بالتالي إلى البحر الأبيض المتوسط.

مياه صفراء ومالحة

تؤثر أزمة المياه في غزة على جميع سكان القطاع بلا استثناء. وتشتكي رويدا محمد؛ وهي ربة منزل وأم لأربعة تعيش في غزة، من أنّ ضمان حصول عائلتها على ما يكفي من المياه يشكّل مصدر قلقٍ دائم، إذ تقول: “يأتينا الماء في الصنابير لمدة لا تتجاوز الساعتين في اليوم أحياناً، ولا نعلم متى تأتي، والأسوء أنها مياه شديدة الملوحة يميل لونها إلى الأصفر لا تصلح للشرب أو الطهي، وبالكاد تصلح لأغراض تنظيف المنزل فقط.!”

وبما أنّ مياه الصنابير لا تصلح للاستهلاك، يقوم سكان غزه بشراء مياه للشرب من تجار القطاع الخاص. حيث ظهرت في السنوات الاخيره ما يسمى بمحطات تحلية خاصة (وهي اليوم ما يقارب ال 140 محطه) تقوم بتوصيل مياه الشرب لمواطنين القطاع. غير ان نصف هذه المحطات فقط مرخصة من قِبَل سلطة المياه الفلسطينية وجميعها تعمل من غير اي وجود للرقابة.

تصل هذه المياه الى المستهلكين إما بواسطة صهاريج المياه المتنقلة أو تعبّأ وتباع في قوارير في المحلات التجارية المنتشرة في أرجاء القطاع. وتعتبر الأسعار باهظة الثمن (إذ يبلغ سعر القارورة بسعة 50 لتراً دولاراً واحداً)، على سبيل المثال قد تنفق العائلة الفقيرة ما يقارب ثلث دخلها للحصول على مياه للشرب. يقول محمد: “تستهلك عائلتي المؤلفة من ستة أفراد نحو 50 لتراً يوميا من المياه المحلاة التي نشتريها من الصهاريج الجوالة، وهو ما تكلفته نحو 30 دولار شهرياً، يضاف إليها -بالطبع- قيمة فاتورة المياه الحكومية الشهرية والتي تبلغ نحو 20 دولار أمريكي”.

ورغم ان مذاق هذه المياه مقبول، إلا أن مدى صلاحيتها للشرب (من حيث درجة المعالجة) يبقى غير موثوق. ويضيف محمد: “لا أثق تماماً بمدى نظافة هذه المياه، لكن ما من بديل لدي، فأنا لا أستطيع شراء المياه المعدنية لتكلفتها العالية، كل ما بوسعي هو غلي المياه المَحَليّة جيدا قبل استخدامها.”

المخاطر الصحية

حسب دراسات اجرتها منظمة الصحة العالمية (WHO) ان المياه الملوثة في غزة مسؤولة عن 26% من مجموع الأمراض في القطاع، ويعاني 50% من الأطفال في غزة من الالتهابات الطفيلية المرتبطة بهذه المياه الملوثة. بالإضافة إلى ملوحتها الزائدة؛ تحتوي المياه في غزة على مستويات مرتفعة من النيترات (ثلاث إلى ستة أضعاف المستوى الموصى به من قِبل منظمة الصحة العالمية)، الأمر الذي يشكل خطورة شديدة على الصحة العامة، وبالأخص على صحة الرضع والأطفال.

سوء نوعية المياه يؤدي أحيانا إلى ما يُسمّى بحالة “Blue baby syndrome” أو “متلازمة الطفل المزرقّ” التي تكون مميتة في حال تُركت دون علاج. وبالإضافة إلى ذلك، و وفقاً لتقارير الأمم المتحدة (UN) فإن “حالات أمراض الجهاز الهضمي وحالات الإسهال الحاد من إسهال مائي و إسهال دموي هو من الأسباب الرئيسية لزيادة معدلات انتشار الأمراض المعدية التي تم الإبلاغ عنها بين السكان اللاجئين في قطاع غزة.”

فضلاً عن ذلك، يعاني سكان غزة في الكثير من الأحيان من الأمراض الجلدية الناتجة عن استخدام مياه الصنابير. إذ اخبرنا سلام البحيصي الذي يعمل ممرضاً في مستشفى الشفاء في غزة عن تجربته في هذا الصدد فيقول: “أضطر لغسل يدي باستمرار بعد انتهائي  من فحص المرضى، فأستخدم المياه المالحة المتوفرة من صنابير المستشفى لعدم توفر غيرها، ما سبب لي حساسية وخشونة ومشاكل    جلدية في اليدين.”

 الممرض حسام البيشي داخل غرف الطوارىء في مستشفى الشفاء, الصورة ل فريق فاناك المياه

الممرض حسام البيشي داخل غرف الطوارىء في مستشفى الشفاء, الصورة ل فريق فاناك المياه

واضاف سلام أن المستشفى التي يعمل بها تقوم هي الأخرى بشراء المياه المحلّاة وذلك بتمويل من بعض الجهات المانحة، لكنه يقول أن إدارة المستشفى لا تستطيع تأكيد مدى نظافة او صلاحية هذه المياه، لكنها مضطرة للاعتماد عليها لعدم توافر البدائل. “حتى المياه المحلاة لا تتوفر في اللمستشفى على نحو دائم، ويعتمد توافرها على توفر التمويل من الجهات المانحة، فعندما لا يكون هناك متبرعين، لا يوجد مياه محلاه في المستشفى وبالتالي نطلب من المرضى شراء المياه المعدنية على نفقتهم من خارج المستشفى.”

ويتحدث سلام عن بعض جوانب هذه المشكلة من واقع تجربته إذ يقول أنه يضطر إلى دفع ثمن المياه المعدنية من جيبه في بعض الحالات عندما يكون المريض بأمس الحاجة للماء العذب النظيف للعلاج. “هناك حالات كثيرة يحتاج فيها المرضى إلى شرب المياه العذبة باستمرار بسبب طبيعة الأدوية التي يتناولونها والتي تسبب الجفاف والعطش السريع”. وحسب سلام، يُطلب في كثير من الأحيان من المرضى جلب مفارش نظيفة للأسرّة التي يستخدمونها بالمستشفى، وذلك لافتقار المستشفى للماء اللازم لغسيل المفارش المستخدمة.

 

التأثير على الزراعة

ندرة المياه والتلوث الحاصل احدثا أيضا اضراراً جسيمة في القطاع الزراعي في غزة والذي يعمل به – بشكل غير رسمي- أكثر من نصف سكان القطاع.

“لقد تلوثت معظم مياه الآبار الجوفية المحفورة في مزرعتي بمياه البحر والصرف الصحي” يقول خالد العطار، وهو مزارع كان يُصدَّر إنتاجه من الفروالة إلى دول الجوار قبل أن تفرض إسرائيل الحصار على تصدير واستيراد البضائع من غزة عام 2007.

“الآن باتت هذه المياه مالحة جداً وغير صالحة لري الفراولة وأنواع كثيرة من المزروعات”. الأمر الذي اضطُر العطار إلى زراعة محاصيل أقل قيمة (من حيث الدخل) مثل البطاطا والطماطم. ويقول خالد بمرارة: “الحل الوحيد لهذه المشكله هو تحليه المياه لتصبح صالحه للري ولكن هذا الحل غير قابل للتطبيق بسبب ارتفاع تكلفة التحلية والتي لا يقدر على دفعها أي مزارع هنا”.

انقطاع التيار الكهربائي

كما أنّ النقص المتواصل بالطاقة الكهربائية في غزة يزيد من تفاقم أزمة المياه، إذ غالباً ما تصل الكهرباء إلى المنازل في غزة لمدة قد تصل إلى ثماني ساعات أو أقل يومياً. ولان الضغط في شبكة إمدادات المياه منخفض، يحتاج سكان غزة في الكثير من الأحيان إلى استخدام مضخات كهربائية لايصال المياه الى خزانات المنازل. ولكن المشكلة الأكبر هنا، هو عدم تطابق -في كثير من الأحيان- ساعات وصول إمدادات المياه مع الساعات التي تصل فيها الكهرباء للمنازل. يقول محمد: “أتمنى ان يتم التعاون والتنسيق ما بين مزودي الماءوالكهرباء إلى القطاع بحيث يتم توافرهما في آن واحد ، ليصبح بإمكاننا ضخ الماء إلى الخزانات في بيوتنا “.

المزارع خالد، الصورة ل فريق فاناك حول المياه
المزارع خالد، الصورة ل فريق فاناك حول المياه

يعاني المزارع خالد من نفس المشكلة فهو يحتاج إلى المضخات لسحب مياه الري من الآبار في مزرعته، ويضطر في معظم الأحيان إلى الاعتماد على مولد كهربائي يعمل بالوقود لتشغيل المضخة، فيؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود العالي الثمن. فيقول: “أُنفق شهريا ما قيمته حوالي 1000 دولار أمريكي ثمناً لوقود المولدات، يضاف إلى ذلك مصاريف صيانة للمضخات تصل إلى نحو 1200 دولار أمريكي شهريا.”

عملية الجرف الصامد

ألحقت عملية الجرف الصامد العسكرية التي شنتها آلة الحرب الإسرائيلية على القطاع في الفترة ما بين (يوليو- أغسطس 2014) اضرار جسيمة بالبُنية التحتية لشبكة المياه المتهالكة بالاصل. وقد قدرت الأمم المتحدة كلفة إصلاحات ما أفسدته الحرب بما قيمته 34 مليون دولار أمريكي، إلى جانب الأضرار البالغة وتدمير الآبار وشبكات المياه وشبكات الصرف الصحي. وأدى تدمير محطات الصرف الصحي، ونقص المياه النظيفة، والملاجىء المكدسة بالنازحين في جميع أرجاء القطاع، إلى إثارة المزيد من المخاوف من تعرّض القطاع لأزمة صحة عامة.

وفي حين عمدت السلطات المحلية إلى جانب سلطة المياه الفلسطينية ومجتمع المانحين الدولي إلى إرساء الجهود الرامية لحل أزمة المياه المتفاقمة. إلا أّنّ الوضع السياسي وتواصل حالة عدم الاستقرار تستمر في إحباط تنفيذ أي حل مستدام على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، بدأ الوقت بالنفاذ. وحذر تقرير صدر عن الأمم المتحدة عام 2012 بأن كامل إمدادات المياه في غزة لن تكون صالحة للاستهلاك البشري بحلول عام 2016. وهو احتمالٌ يثير الرعبَ في قلب محمد الذي يقول: “اليوم لا نستطيع الشرب من مياه الصنبور، وأخشى أننا في وقت قريب سنصبح غير قادرين حتى على شراء المياه لكي نشرب في غزة، لا ادري ماذا سنفعل آنذاك؟! “